طب المجتمع


طب المجتمع

تعريف طب المجتمع وأهدافه

تعريف طب المجتمع

طب المجتمع community medicine ليس موضوعاً محدداً مثل طب الأطفال أو الجراحة ، وإنما هو مجموعة من العلوم تشمل علوم الحياة والسلوك الإنساني والإدارة والطب.

وقبل أن نتحدث عن تعريف طب المجتمع علينا أن نعرف الصحة . وبين أيدينا تعريف منظمة الصحة العالمية ( (WHO Organization للصحة بأنها " حالة من المعافاة الكاملة ، بدنياً ونفسياً واجتماعياً ، لا مجرد انتفاء المرض أو العجز " . وعرفها هانلون Hanlon بأنها حالة التناغم بين الجانبين الفسيولوجي والنفسي للإنسان ، ولها معانٍ مطلقة وأخرى نسبية ، تختلف باختلاف المكان والزمان ، وهي نتاجٌ لتفاعلٍ بين عوامل عديدة داخلية وخارجية ، موروثة ومكتسبة ، طبية وبيئية واجتماعية ، تصوغها المعايير الثقافية والأوضاع الاقتصادية والحكومات " . هذه هي الصحة التي يسعى طب المجتمع إلى دراستها . وهناك بعض التعاريف لطب المجتمع ، وهي كثيرة إلا أننا نختار منها ثلاثة .

في عام 1920م عرف ونسلو Winslow الصحة العامة بأنها " علم المرض وإطالة الحياة وتعزيز الصحة الجسدية والنفسية ، وذلك من خلال البيئة ومكافحة الأمراض السارية والتثقيف الصحي والتشخيص المبكر ، للأمراض ، وتطوير النظام الاجتماعي الذي يضمن لكل فرد في المجتمع لحفظ الصحة " .

هذا التعريف يعكس الشمولية التي يهدف إليها طب المجتمع . التي يهدف إليها طب المجتمع . فهو يتحدث عن الوقاية من المرض وإطالة الحياة ، وعن تطوير الصحة البدنية والنفسية ، ويربط حالة الفرد الصحية بوضعه الاقتصادي والاجتماعي ، ويتحدث عن البرامج الصحية بشكل تلتقي فيه الأهداف بالوسائل .

عرفت منظمة الصحة العالمية WHO طب المجتمع بعد ونسلو بنحو نصف قرن فقالت أنه : " توفير الرعاية الصحية الشاملة للناس من قبل الفريق الصحي بهدف تطوير الصحة في المجتمع " .

ومع ما في هذا التعريف من اختصار إلا أنه شامل ، فالهدف النهائي لطب المجتمع وما يتصل به من علوم متعددة هو تعزيز الصحة ، ووسيلته في ذلك الفريق الصحي المدرب الذي يعمل بالتعاون مع أفراد المجتمع .

وورد التعريف التالي في معجم الوبائيات Dictionary of Epidemiology الصادر عن الجمعية العالمية لاختصاصيي الوبائيات ، و ينص على أن طب المجتمع هو " الحقل المعني بدراسة الصحة والمرض في مجتمع محدد ، وهدفه التعرف على المشاكل والاحتياجات الصحية في ذلك المجتمع والوسائل التي يجب بواسطتها تلبية هذه الحاجات ، وتقييم المدى الذي تلبى فيه الخدمات الصحية هذه الحاجات بشكل فعلي " .

ويعتبر البعض تسميات الصحة العامة ( العمومية ) Public health وطب المجتمع community medicine والطب الوقائي preventive medicine مترادفات لمعنى واحد ، قد تختلف في بعض التفاصيل ولكنها تلتقي في الجوهر . فالصحة العامة هي حصيلة اجتماع عدد من العلوم والمهارات والمعتقدات الموجهة نحو المحافظة على الصحة وتعزيزها لدى كامل الناس باتباع أعمال اجتماعية شاملة . إنها بذلك من الجهود الجماعية المؤسسية في المجتمع ، وهي نظام وممارسة ، وبمعنى آخر ، هي علم وطب اتقاء المرض وإطالة الحياة وتعزيز الصحة من خلال جهود المجتمع المنظمة . أما الطب الوقائي أو طب المجتمع فهو حقل مختص من الممارسة الطبية يركز على صحة جمهرة ما بقصد تعزيز الصحة وصيانتها والوقاية من المرض والعجز والوفاة المبكرة . وهكذا فإلى جانب المعرفة في العلوم السريرية والمهارات المعتادة للطبيب ، على طبيب المجتمع أن يلم بالوبائيات والإحصاء والإدارة وصحة البيئة والعلوم الاجتماعية والسلوكية ، وعليه تطبيق الإجراءات الوقائية الأولية والثانوية والثالثية في الممارسة السريرية .

وقد اقترح الدكتور هيثم الخياط تعريفاً شمولياً للصحة العمومية بأنه العلم والفن الذي يهدف لحماية وتعزيز وضمان استدامة المعافاة البدنية والنفسية والاجتماعية من خلال إجراءات وتدابير اتقائية وتشخيصية وعلاجية وتأهيلية في الناس وفي البيئة المحيطة بهم .

أهداف طب المجتمع

هناك ثلاثة أهداف أساسية يرمي إليها طب المجتمع :

النظرة الشمولية للإنسان

وهي النظرة التي تعنى بعوامل الوراثة وظروف البيئة ، والتي تدرك أن أغلب أسباب الأمراض تكمن في البيئة ، بما في ذلك عناصر الماء والغذاء والمسكن والظروف الاقتصادية والاجتماعية والتعليم والعمل ، ومن ثم تهدف إلى إيجاد تناغم بين الإنسان وبيئته ، سواء كانت البيئة الصغرى ( الأسرة ) أم البيئة الكبرى ( المجتمع ) .

هذا التناغم بين الإنسان وبيئته عامل أساس من عوامل الصحة . وإذا ما اختل هذا التناغم لسبب من الأسباب اضطربت صحة الإنسان وغزاه المرض . ومن هنا اتسعت اهتمامات طبيب المجتمع – كما سنرى لاحقاً- فشملت دراسة تركيب الجسم البشري وعمله ، وسلوك الإنسان ، وعلوم البيئة والاجتماع والاقتصاد والسياسة والحياة . وكأننا بطبيب المجتمع اليوم حكيم ذلك الزمان يوم كان الطبيب يجمع بين علوم الطب والفلسفة والفقه والفلك . بالطبع نحن لا ندعي أن كل اختصاصي بطب المجتمع يجب أن يكون موسوعياً ، ولكن لا أقل من أن تتسع اهتماماته لعلوم شتى تلتقي فيها النظرة الشمولية للإنسان .

حفظ توازن الإنسان

وقد يكون من الأولى أن نقول مساعدة الإنسان على حفظ توازنه . وبهذا نلقي بقدر كبير من المسؤولية على الفرد في الحفاظ على صحته . فالتوازن بين الجسد والنفس والعقل في الإنسان أساس آخر من أسس الصحة ، وإذا ما اختل هذا التوازن وقع الإنسان فريسة للمرض . وقد اهتم أجدادنا العرب ، وقبلهم اليونان ، اهتماماً كبيراً بهذا التوازن فقالوا إن للإنسان أمزجة أربعة هي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، وإنه مكون من أخلاط أربعة هي الدم والبلغم والمرة الصفراء والمرة السوداء . ونظروا إلى الصحة على أنها توازن بين هذه الأخلاط والأمزجة ، فإذا ما اضطرب هذا التوازن لسبب ما اعتل الجسد . ومن هنا كان هدف الطبيب يوم ذاك هو إعادة التوازن بالحمية والدواء والعلاج الطبيعي . قد نختلف عنه اليوم في التفاصيل ولكننا نتفق معه حول ضرورة حفظ التوازن بين الجسد والعقل والنفس للحفاظ على الصحة .

يقول ابن القيم في كتابه ( الطب النبوي ) " كل طبيب لايداوي العليل بتفقد قلبه وصلاحه ، وتقوية روحه وقوته ، بالصدق وفعل الخير والإحسان والإقبال على الله ، والدار الآخرة ، فليس بطبيب بل متطبب قاصر " .

وإذا ما نظرنا إلى أي مرض نجده انعكاساً لاختلال التوازن في داخل الإنسان أو بين الإنسان وبيئته . فلو درسنا بعض الأمراض الجسدية النفسية psychosomatic مثل السكري diabetes وفرط ضغط الدم hypertension والقرحة الهضمية peptic ulcer وتشنج الأمعاء لوجدناها نتيجةً لاختلا التوازن داخل الإنسان . وما السرطان cancer بأنواعه المختلفة إلا اختلالاً في النمو المتوازن للخلايا . وما الأمراض الوبائية إلا نتيجة اختلال التوازن بين البيئة والإنسان . وما سوء التغذية malnutrition إلا إفراط أو تفريط في الغذاء كماً أو كيفاً أو كلاهما معاً .

إن حفظ هذا التوازن داخل الإنسان كجسد ونفس وعقل ، وبين الإنسان وبيئته ، هو الذي يهدف إليه طب المجتمع ، ومهمة اختصاصي طب المجتمع هو أن يساعد الإنسان على الحفاظ على هذا التوازن ، ووسائله في ذلك عديدة ، منها التثقيف الصحي والاكتشاف المبكر للأمراض وإصحاح البيئة ( من ماء وغذاء وسكن وهواء ) وبرامج التغذية ورعاية الأمومة والطفولة .

برامج الوقاية

إن تنفيذ برامج الوقاية حلقة مكملة للحلقتين السابقتين ، النظرة الشمولية للإنسان والحفاظ على توازنه . وتهدف برامج الوقاية إلى بذل كل الجهود من قبل الفريق الصحي والمجتمع للحيلولة دون إصابة الإنسان بالمرض .

يقال إن قدماء الصينيين كان أحدهم يدفع أجر الطبيب طالما كان صحيحاً معافى ، فإذا مرض توقف عن دفع أجر الطبيب ، لأنه يعتقد أن مهمة الطبيب هي أن يحافظ على صحة الإنسان . ويروى أن أحد الحكام كان يكرم طبيبه طالما كان صحيحاً معافى ، فإذا ما اعتل استبعد طبيبه ، واستبدل به طبيباً آخر . بالطبع لا نتمنى أن تعود هذه الأيام التي لم يكن الطبيب يأمن فيها على نفسه ، ولكن لا أقل من أن يدرك الأطباء أن دورهم لا يقتصر على العلاج فقط ، ولكنه يعطي الأولوية للوقاية ثم للعلاج .

ويجب علينا أن ننتبه إلى أن الوقاية والعلاج أمران يكمل أحدهما الآخر ، ولا سبيل إلى فصلهما ، وأي فصل نجده هو فصل مصطنع ، وإلا فكيف يمكن أن نعالج مريضاً بالسل tuberculosis دون أن نعنى بوقاية أفراد أسرته من العدوى ، وكيف يمكن أن نقيهم من العدوى دون أن نعالج المريض كمصدر للعامل المسبب للداء ، وكيف يمكن أن نعالج مريضاً بالملاريا دون أن نجتهد في القضاء على العوامل المسببة للمرض في بيئته ، فالمرض سيعود إليه عندما يعود إلى بيئته ، طالما كانت العوامل الممرضة موجودة فيها .

وقد صدق ابن سينا عندما قال " الطِبُ ، حِفْظُ صِحّةٍ ، بُرْءُ مَرَضٍ " .إن الوقاية من المرض تعني دائماً النظرة المستقبلية ، مع الاستفادة من تجارب الماضي ووقائع الحاضر .والبرامج الصحية الناجحة هي البرامج التي تستفيد من الماضي ومعلومات الحاضر في التخطيط للمستقبل .

1-3 تطور طب المجتمع

لابد لنا أن تستقري شيئاً من التاريخ لنتعرف على تطور طب المجتمع . ولكي لا نوغل بعيداً في استقرائنا للتاريخ سوف نبدأ بالعصر الحديث . مع بداية اختراع الآلة البخارية وفي منتصف القرن التاسع عشر ، انطلقت الثورة الصناعية في العالم الغربي ، وسرعان ما أدت هذه الثورة الصناعية إلى نزوح الريفيين إلى المدن الرئيسية ، فاكتظت بهم ، ونتيجة لاستغلال أصحاب الأعمال لهم ، وفي غياب القوانين الاجتماعية ، أصبح الكثير من السكان يعيشون في ظروف سيئة من حيث السكن أو الغذاء أو الماء أو ظروف العمل ، فقد كان الأطفال يقيدون بالسلاسل إلى الآلة ويعملون 12 ساعة أو أكثر يومياً ، ونتج عن هذه الظروف المعيشية السيئة انتشار الأوبئة مثل الكوليرا cholera والحمى التيفية ( التيفوئيد ) typhoid fever والطاعون plgue . وكان متوسط العمر عند الوفاة لا يزيد على 35 سنة .

أثارت هذه الأوضاع المتردية اهتمام جماعات المصلحين والساسة والعلماء ، وحفزتهم للقيام بحملات مكثفة للضغط على الحكومات من أجل إصلاح الأوضاع الصحية والاجتماعية والاقتصادية ، وكان من الذين أسهموا في إثارة اهتمام الرأي العام حول هذه الأوضاع جون سنو John Snow في مكافحته لوباء الكوليرا الذي انتشر في لندن عام 1849م . فقد كان لجون سنو الفضل في التعرف على العلاقة بين الكوليرا وبين تلوث المياه ، كما أسهم في ذلك تقرير تشادويك Chadwick الذي نشره في انكلترا عام 1842، وأبرز فيه العلاقة بين الفقر وبين ارتفاع معدل الوفيات ، باَافة إلى تقرير شاتوك في الولايات المتحدة الأمريكية ( 1793-1859) الذي نادى فيه بتنظيمات اجتماعية وصحية .

نتيجة للإصلاحات البيئية والاجتماعية والاقتصادية التي انبثقت في نهاية القرن التاسع عشر في العديد من المجتمعات الغربية ، بدأت موجة الأمراض والأوبئة تنحسر ، وذلك قبل أن يبدأ اكتشاف الميكروبات المسببة لبعض الأمراض السارية مثل السل والكوليرا والطاعون ، وقبل أن تخترع الأدوية التي تعالج هذه الأمراض . وظل الطب الوقائي مرتبطاً بصحة البيئة لفترة طويلة ، ثم بدأت اهتماماته تتسع وتتشعب مع مطلع القرن العشرين . وتزامن هذا الاتساع مع الاكتشافات المتتالية في علم الجراثيم bacteriology وعلم الطفيليات parasitology ، وبدأ العلماء يهتمون بدراسة العوامل المسببة للأمراض وانتشارها وطرق مكافحتها ، وبالتالي ازدهر علم الوبائيات .

ومع التغيرات الاجتماعية التي حدثت في الغرب بعد الحرب العالمية الثانية وما صاحبها من خروج المرأة إلى العمل ، برز الاهتمام برعاية الأم والطفل ، كما برز الاهتمام بتنظيم الأسرة كردة فعل لنظرية التكاثر السكاني التي وضعها مالتوس ( 1766-1834) .

ومع بداية الستينات ظهر الاهتمام في أمريكا الشمالية ثم في أوروبا بطب الأسرة family medicine الذي يهدف إلى العناية بأفراد الأسرة من قبل الفريق الصحي . وقد بدأ طب الأسرة بالتركيز على الجانب العلاجي ، وانتهى بالاهتمام بالجانبين العلاجي والوقائي في وقت معاً .

وفي عام 1987 دعت منظمة الصحة العالمية إلى مؤتمر عقد في آلما آتا في ما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي ( عاصمة جمهورية كازاخستان حالياً ) وتمت في هذا المؤتمر ترجمة شعار " الصحة للجميع بحلول عام ألفين " ، باعتبار الرعاية الصحية الأولية primary health care حجر الأساس في الرعاية الصحية .

وفي نفس الوقت أطلقت اليونيسيف UNICEF شعارها " غوبي " ( GOBI) ، وهي الحروف الأولى من برامج متابعة نمو growth الأطفال ، وتعويض السوائل عن طريق الفم ( الإمهاء الفموي ) oral rehydration ، والإرضاع من الثدي breast feeding ، والتمنيع الشامل immunization ودعمت اليونيسيف شعارها بإحصاءات تثبت أن تطبيق هذه المفاهيم خفض إلى حد بعيد من معدلات المراضة morbidity والوفيات mortality بين الأطفال ، لاسيما في دول العالم النامي .

وفي الثمانينات اهتمت منظمة الصحة العالمية بمفهوم التنمية الصحية health development الذي يدعو إلى مشاركة المجتمع في تخطيط وتنفيذ البرامج الصحية ، ويحدد مسؤولية القطاعات المختلفة مثل البلديات والمالية والتخطيط والشؤون الاجتماعية في النهوض بالصحة .

وفي المؤتمر الذي عقدته منظمة الصحة العالمية في اليابان عام 1991 أطلقت إعلان سايتاما Saitama declaration الذي ينادي بالتنمية الاقتصادية والصحية معاً ، ذلك أن النمو الاجتماعي والاقتصادي رهنُ بصحة الإنسان ، كما أن الصحة رهن بالوفرة الاقتصادية والسلوك الإنساني .

وحديثاً تركزت حصة كبيرة من الاهتمام على موضوع النظم الصحية ، ودورها في تنمية صحة الأفراد والعائلات والمجتمعات .

مما سبق نجد أن طب المجتمع تطور خلال القرنين التاسع عشر والعشرين في اهتماماته ومجالاته ، إذ بدأ بالتركيز على صحة البيئة وانتهى بالنظرة الشمولية التي تربط بين الصحة والجوانب السلوكية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية ، وتجعل مسؤولية الحفاظ على الصحة مسؤولية مشتركة بين الفرد والمجتمع والمؤسسات الصحية . وهي كما نرى قضية أكبر وأشمل وأهم من مجرد الاهتمام بعلاج المرض بعد أن ينشب أظفاره في الإنسان . وما المستوى الصحي المرتفع الذي حققته بعض البلدان مثل اليابان أو الدول الاسكندنافية ، والذي يتمثل في انخفاض معدل وفيات الرضع ( إلى 7 في الألف ) وارتفاع متوسط العمر ( إلى 75 سنة ) ، إلا نتيجة للارتفاع في مستوى المعيشة والتعليم وصحة البيئة والبرامج الوقائية .

1-4 مجالات طب المجتمع

مجالات طب المجتمع عديدة ومتنوعة ، تلتقي فيها العلوم الطبية بالعلوم الاجتماعية والسلوكية . وسوف نستعرض فيما يلي أهم العلوم التي يجب أن يلم بها الدارسون لطب المجتمع ، والطبيب أياً كان تخصصه ، والعامل في الحقل الصحي أيّاً كان اهتمامه ، لأن مسؤولية كل واحد منهم لا تقتصر على العلاج ، وإنما تتعداها إلى الوقاية وتعزيز الصحة والارتقاء بها . وهي علوم يجب أن يتفاعل معها الدارس حتى تصبح جزءاً من سلوكه واتجاهاته في الحياة .

أ‌- علم الوبائيات

علم الوبائيات epidemiology من أهم العلوم التي يجب أن يلم بها طالب الطب والطبيب . وكلمة epidemiology مشتقة من الأصل اليوناني epi ومعناها "على" ، و demo وتعني "الناس" ، و logos ومعناها "علم " . و"الوباء" في لسان العرب : المرض العام .

هذا العلم يدرس المتغيرات المرضية والفيزيولوجية في الإنسان ، والعوامل التي تؤثر في هذه المتغيرات . ومن ضمن هذه العاوامل العمر والجنس ومكان الإقامة والوضع الاقتصادي والاجتماعي والظروف البيئية والسلوك وقوانين الوراثة . وبالتالي فهو علم يساعد الدارس على معرفة الأمراض من حيث العوامل المسببة والعوامل المؤهبة وطرق الانتشار والمكافحة ، كما تهيئه لتخطيط وتنفيذ وتقييم البرامج الصحية .

ولعلم الوبائيات جوانب منها الجانب الوصفي descriptive ويعنى بوصف الظواهر المرضية ويحاول أن يجيب عن الأسئلة ، متى حدث المرض ؟ وكيف حدث ؟ وما السبب في حدوثه ؟ ومنها الجانب التحليلي analytic ويعنى بتحليل الظواهر المرضية ويحاول أن يجيب عن السؤال : لماذا حدث المرض ؟

وقد ساهم علم الوبائيات في تطوير العلوم الصحية عبر التاريخ ، حتى من قبل أن يوضع في إطاره الراهن في العصر الحديث . فقد أدرك أبُقراط Hippocrates قديماً تأثير الماء والهواء والمكان على صحة الإنسان . وأسهمت دراسات الرازي في التفريق بين الحصبة measles والجدري smallpox ، ولعل من الدراسات الممتعة التي يقرأها طالب الطب تجربة جون سنو في مكافحة الكوليرا في لندن ، والذي استطاع بطريقة علمية ومنهجية أن يحدد علاقة المرض بتلوث الماء ، وذلك قبل اكتشاف كوخ Koch للجراثيم المسببة له بنحو ثلاثين سنة . كذلك نجد أن القضاء على مرض الجدري في أواخر السبعينات من القرن العشرين ما كان ليتم لولا الدراسات الوبائية المكثفة التي أجريت حول طرق انتشاره ومكافحته ولولا اتباع الطرق الوبائية في ترصد المرض . وبعد أن كان علم الوبائيات يركز فيما مضى على الأمراض المعدية infectious diseases اتسعت اهتماماته لتشمل المشاكل الصحية المزمنة مثل حوادث السيارات وفرط ضغط الدم والسرطانات والأمراض النفسية الجسدية وأيضاً المشاكل السلوكية كالتدخين .

ولا يقف علم الوبائيات عند دراسة المرض بل يتعداها إلى مكافحته . والبحوث التي تحرص منظمة الصحة العالمية على تمويلها في مجال الوبائيات هي البحوث التي تهتم بالمكافحة ولا تقتصر على دراسة الأسباب . ويرتبط علم الإحصاء الحيوي biostatistics وعلم الديموغرافيا demography ارتباطاً وثيقاً بعلم الوبائيات ، ويعتبران من أدواته الفعالة .

ب‌- صحة البيئة

صحة البيئة environmental health علم يعنى بكل ما يحيط بالإنسان ويتصل به من عوامل البيئة ، وهو بهذا يشمل الهواء والماء والغذاء والفضلات ومكان الإقامة والعمل ، فإذا أدركنا هذا البعد الشمولي لصحة البيئة ومدى تأثيرها على صحة الإنسان ، تبين لنا مدى القصور الذي يمارسه الأطباء حين يجعلون كل همهم دراسة الجسم البشري بتشريحه وفيزيولوجيته والتغيرات المرضية التي تطرأ عليه ، متناسين أو غافلين أن وراء هذه التغيرات المرضية تكمن عوامل البيئة .

يحدثنا التاريخ بأن أمراض الكوليرا والطاعون والجدري والحمى التيفية والكزاز كانت تفتك بالإنسان الأوروبي حتى بداية القرن العشرين نتيجة للظروف البيئية السيئة التي كانت سائدة آنذاك . وقد تراجعت هذه الأمراض في دول الغرب مع تحسن الشروط البيئية .

وفي السبعينات من القرن العشرين زحفت جائحة الكوليرا من أقصى الشرق في آسيا إلى أقصى الغرب في أفريقيا ، فغزت الهند وباكستان وإيران وحوض البحر الأبيض المتوسط ودول أفريقيا ، بل تعدت أفريقيا إلى بعض دول أمريكا الجنوبية وتساقط ضحايا المرض بعشرات الألوف ، واتُخذت له في حينها الإجراءات الوقائية المشددة ، ولكنها كانت أعجز من أن توقف زحفه ، بيد أن هذه الجائحة لم تستطع طرق أبواب أوروبا الغربية ، وارتدت عنها حتى بدون أن تتخذ حيالها أية إجراءات وقائية ، وما ذاك إلا لسبب واحد ، وهو أن مستوى صحة البيئة فيها مرتفع .

ولنا أن نتساءل كيف يمكن أن تصيب الإنسان أدواء مثل داء البلهارسيات أو الملاريا أو التهاب الكبد الفيروسي أو داء البروسيلات أو حتى حوادث السيارات وإصابات العمل إذا كانت البيئة من حوله صحية . وتزداد في الوقت الحاضر من دون أي شك التحديات الصحية المرتبطة ببيئة الإنسان ، ويبقى السؤال القائم ، ما بال الأطباء يهملون صحة البيئة ، ويتركون أمرها لغيرهم ، وهم أحق بأن يهتموا بها ويسعوا إلى تطويرها سواء كان ذلك بأنفسهم أو من خلال غيرهم من أفراد الفريق الصحي ، ذلك أنهم أعرف ما يكون بنتائج إهمالها .

ج- الإدارة الصحية

على الطبيب أن يجيد فن الإدارة الصحية health management وأن يتعلم قواعدها . وإذا كانت الإدارة في بعض جوانبها استعداداً شخصياً إلا أن الدراية بها تكتسب بالتعلم والدرس ، ولا مفر أمام الطبيب العام أو الاختصاصي من ممارسة الإدراة في شكل من أشكالها ، سواء كان إدارة مجموعة من الأشخاص ، أو عيادة ، أو مستشفى ، أو مؤسسة صحية . وإذا تذكرنا أن الدور الرئيسي في نجاح أي مشروع صحي أو فشله هو الإدراة ، أدركنا مدى أهمية علم الإدارة للطبيب.

ليس مطلوباً من الطبيب أن يحيط بعلم الإدارة ، ولكن عليه أن يعرف قواعده الأساسية ، ولا سيما خصائص الإداري الناجح ، وأن تتحول هذه المعرفة إلى اتجاه وسلوك يمارسه . وعليه أن يكتسب بعض المهارة في التنظيم والتخطيط ووضع الأهداف وتحديد الأولويات والبدائل وعناصر التقييم ، وأن يتعرف على مبادئ التفويض وتوزيع المسؤوليات والصلاحيات ووضع المخططات التنظيمية ، وأن يلم في نفس الوقت بمبادئ الصحة الدولية ، فيطلع على نماذج من البرامج الصحية في دول مختارة من العالمين النامي والمتقدم اقتصادياً ، ويتعرف على أوجه النجاح والفشل فيها .

د- السلوك البشري

إن دراسة السلوك البشري human behaviour من الدراسات الهامة التي تهيئ الطبيب لإتقان فن التعامل مع الناس . فالطبيب يتعامل من خلال مسار حياته مع صنوف من البشر ، منهم زملاء العمل والمرضى وأفراد المجتمع من الأصحاء . ولما كان على الطبيب أن يكون فاعلاً ومؤثراً في مجتمعه ، ووسيلة للتغير إلى الأفضل ، فلا بد له من دراسة السلوك البشري وإتقان فن التعامل ، وهي دراسة لا تنتهي بقراءة فصل في كتاب بل تقتضي مداومة الاطلاع والملاحظة والتفاعل والممارسة ومراجعة النفس .

وإذا ما آمنا بأن الغالبية العظمى من الأمراض لها علاقة بسلوك الإنسان وأسلوبه في الحياة ، وأن أحد أهداف الطبيب أن يساعد الناس على تبني الأنماط السلوكية الصحية في الحياة ، أدركنا أهمية أن يطور الطبيب قدراته في التعامل والتواصل والتفاعل مع الناس .

هـ- التثقيف الصحي

يهتم التثقيف الصحي health education بتطوير المعلومات والمفاهيم والسلوك الصحي عند الناس ، فمعرفة الناس بالأمور الصحية هي الخطوة الأولى لتبنيهم سلوكاً صحياً سليماً ، ولتحملهم مسؤولية تعزيز الصحة ومكافحة المرض . ووسائل التثقيف هي الكلمة والصورة والحوار والنموذج والقدوة والتعليم بالممارسة .

التثقيف الصحي أمر سهل ممتع ، يتحدث عنه الجميع كما لو كانت قضيته تنتهي بإيصال المعلومة إلى الآخرين . في حين تتمثل صعوبته في أن إيصال المعلومة لا يكفي إذا لم تتحول هذه المعلومة إلى دافع نفسي ويتحول الاتجاه إلى سلوك . فكم قيل عن أضرار التدخين حتى لم يعد أحد على وجه البسيطة لا يدركها ، ولكن المعرفة شيء وأن يؤمن الإنسان بهذه الخطورة ( دافع ) ، ويقلع عن التدخين ( سلوك ) شيء آخر . والتثقيف الصحي عمل يقوم به الطبيب وغير الطبيب ، حتى الإنسان الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب إذا كانت لديه المعرفة الصحيحة حيال مشكلة ما ، ولديه القدرة على التعبير عنها ، فهو مثقف صحي . ومهمة الطبيب مزدوجة ، فهو يقوم بالتثقيف الصحي بنفسه كما أنه يدرب الآخرين عليها . ومن هنا كان على الطبيب أن يتزود بالعلوم الصحية وبالقدرة على إيصالها للآخرين وبالدراية بتخطيط برامج التثقيف الصحي وتقييمها وتدريب الآخرين على القيام بها والتنسيق بينهم والإشراف عليهم ومتابعتهم .

و- رعاية الأمومة والطفولة

تهدف رعاية الأمومة والطفولة maternal and child care إلى تعزيز الصحة والوقاية من المرض لدى الأمهات أثناء الحمل والولادة والإرضاع ، ولدى الأطفال دون سن الخامسة من العمر لما لهذه الفئات من صفات تعرضهم لخطر الإصابة بالمرض . وتمثل النساء في فترة الخصوبة والأطفال دون الخامسة نسبة عالية من أفراد المجتمع . تصل إلى أكثر من نصف سكان المجتمع أحياناً .

إن رعاية الأمومة تشمل العناية بالأم الحامل عن طريق متابعة الحمل والإشراف عليه والاكتشاف المبكر لبوادر المرض ومتابعة نمو الجنين وتدريب الأم على العناية بنفسها وطفلها وإعطائها اللقاحات وتوليدها ومتابعتها بعد الولادة لتفادي المضاعفات وتقديم الرعاية لجسدها وعقلها ونفسها .

وتسبق رعاية الطفل رعاية الجنين قبل تكونه في رحم أمه بالاستشارات الوراثية . يقول الرسول الكريم :" تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس ". وتمتد العناية بالطفل خلال سنوات طفولته وصباه لتشمل متابعة نموه وتوفير اللقاحات الأساسية له ، والتغذية السليمة ، والبيئة الصالحة ، والتربية العقلية والنفسية والاجتماعية ، والاكتشاف المبكر للأمراض التي قد تصيبه وعلاجها إذا أصابته ، والعناية بأسنانه . وإذا ما توافرت للطفل هذه الرعاية الوقائية التعزيزية تحسنت فرصته لأن ينمو صحيحاً معافى جسدياً وعقلياً ونفسياً ، وأصبح عضواً نافعاً منتجاً في مجتمعه .

وتصل وفيات الرضع في بلدان العالم النامي إلى أرقام عالية قد تتجاوز المئة لكل ألف مولود حي ، وهكذا فهي تفوق تلك المشاهدة في بلدان أخرى من العالم المتقدم بحدود العشرة أضعاف . أما وفيات الأمهات فتتجاوز المئتين لكل مئة ألف ولادة حية في بعض بلاد العالم النامي وتفوق بذلك المعدلات في بلدان العالم المتقدم بحدود 50 ضعفاً . تعزى هذه الفروق إلى عوامل عديدة ، ولا شك أن على رأسها البرامج الصحية المتعلقة بصحة الأم والطفل .

ز- التغذية

يروي لنا التاريخ أن كولومبوس في رحلته الاستكشافية إلى جزر الهند والتي قادته إلى اكتشاف القارة الأمريكية ، لم يصل بكافة رجاله الذين بدؤوا معه الرحلة ، فقد سقط كثير منهم ضحية لمرض غريب أصابهم بالضعف والوهن والآلام العضلية ونزف اللثة وتساقط الأسنان وتقرحات الجلد ، ومات بعضهم بسببه . والمشكلة التي عانوا منها كانت داء البثع ( الأسقربوط ) scurvy نتيجة حرمانهم فترة طويلة من الخضروات والفاكهة الطازجة وما تحتويه من الفيتامين C .

واليوم يقع مئات الآلاف من الأطفال في بعض الدول النامية ضحية عوز deficiency الفيتامين A في الغذاء فيصابون بالعشى ( العمى الليلي) أو جفاف المقلة xerophthalmia أو تلين القرنية ، ويصاب بعضهم بالعمى ، وآخرون ينتهي بهم الأمر إلى التهابات في القصبات ( الشعب الهوائية ) أو الأذن الوسطى أو الكليتين أو يصابون بفشل في النمو . والمأساة أن الخضروات الخضراء ومنتجات الألبان التي يكثر فيها فيتامين A موجودة في متناول أيديهم ، ولكنهم لا يتناولونها نتيجة للجهل أو الفقر أو كليهما معاً .

وفي بعض القرى في منطقة الصعيد بمصر ، تزحف البلاغرا سنة بعد أخرى على هيئة وباء يصيب طائفة من الفلاحين الذين يعيشون على الذرة والدخن ، إما بسبب الفقر أو بسبب الجهل ، ويغدو أحدهم وقد أصيب بعوز في مادة النياسين . ومن مظاهر هذا العوز إسهال يتناوب مع إمساك ، وضعف في الإدراك العقلي قد يؤدي في مراحله الأخيرة إلى الاكتئاب والخرف.

وفي دراسة أجريت في المملكة العربية السعودية ، وجد أن الطفل في البادية يولد ووزنه قريب من وزن الطفل الذي يولد بمدينة بوسطن الأمريكية ، ثم سرعان ما يفترق منحنى النمو بتأثير عوامل البيئة ولا سيما التغذية ، كما وجد أن منحنى النمو بين أطفال البادية من الذكور يختلف عنه بين الإناث ، ويعود ذلك إلى اختلاف العادات الغذائية باختلاف جنس المولود .

إن سوء التغذية malnutrition قد يصيب الم الحامل فيضعفها ويضعف جنينها ، وقد يصيب الطفل فيؤخر نموه الجسدي والعقلي وتحصيله الدراسي ، وقد يعرضه للإصابة بالأمراض المختلفة نتيجة لضعف جهاز المناعة لديه . وسوء التغذية عامل أساس وراء زيادة الوزن ، وارتفاع سكر الدم ، وأمراض القلب ، وأمراض أخرى .

هذه نماذج من سوء التغذية ، مردها ليس دائماً الوضع الاقتصادي للفرد والأسرة ولكن للعادات والتقاليد التي تسود في المجتمع ، ومهمة الطبيب أن لا يكتفي بعلاج المرض الناتج عن سوء التغذية ، فقد يأتي العلاج متأخراً وغير مفيد ، وقد يعالج المريض لتعاوده العلة من جديد. وهكذا فالأجدر بالطبيب الحكيم –أياً كان تخصصه- أن يتناول أسباب المشكلة من جذورها ، وهي جذور تضرب في المجتمع باقتصادياته وقيمه وعاداته وتقاليده .

ح- البحث العلمي

ليس مطلوباً من كل طبيب أن يكون باحثاُ متخصصاً ، ولكن عليه على الأقل أن ينمي قدراته ، لكي يرى ويسمع ويفكر بطريقة علمية ومنهجية تساعده على أداء عمله بإتقان ، ولسوف يصادف الطبيب أثناء عمله – أياً كان تخصصه – معلومات كثيرة عليه أن يتعلم كيف يستفيد منها بجمعها وترتيبها وتحليلها والكتابة عنها . ولنضرب بعض الأمثلة : طبيب يعمل في عيادة ريفية ، وعلى مدى فترة زمنية تجمع لديه 300 ملف لأطفال القرية ، جميعها تحتوي على تسجيل لأوزان الأطفال في سنتهم الأولى . لماذا لا يستفيد من هذه المعلومات بأن يحلل المعطيات المسجلة في الملفات ويرسم من خلالها منحنى النمو لأطفال القرية ، وهو بهذا قد يتعرف على مستوى التغذية لأطفال القرية ، وقد يجد نسبة منهم يعانون من قصر القامة أو الهزال وقد يدفعه ذلك لدراسة أسباب المشكلة ومكافحتها .

ومثال آخر عن طبيب يفاجأ بارتفاع في معدل الإصابة بالتهاب الكبد الفيروسي A في منطقته ، مما يدفعه إلى تحري أسباب المشكلة والبحث عن مصدر العدوى وطريقة انتشار الوباء ، وقد يقتضيه الأمر إن يصمم استمارة بحث ، وأن يقوم بزيارة للمصابين في منازلهم ، والتعرف على أسرهم ومخالطيهم ، وفحص مصادر الماء ، واستقصاء عادات تناول الطعام ، وهو في كل هذه الخطوات يحتاج إلى معرفة أسس ووسائل البحث ، وحتى إذا لم يتمكن من القيام بالبحث بنفسه فلا أقل من أن يكون مهيئاً للتعامل مع اختصاصي علم الوبائيات والإحصاء الحيوي.

وهكذا فإن كل ما ذكرناه من مجالات في طب المجتمع ليست كل ما يجب أن يهتم به الطبيب ، إذ عليه أن يلم بشيء من علم الاجتماع يساعده في فهم طبيعة العلاقات بين الأفراد والجماعات ، وإدراك الروابط بين المستوى الصحي والعادات والتقاليد . وعليه أن يدرس فيما يدرس صحة الأسنان وكيفية الوقاية من أمراض الأسنان واللثة والعناية بهما على مستوى الأفراد والجماعات .كما عليه أن يلم بشيء من علوم الصحة النفسية إذ إن الكثير من الأمراض النفسانية قابلة للوقاية . أضف إلى أن طبيب المجتمع يجب أن يلم بأسس التعليم الطبي ، فهو معلم لأعضاء الفريق الصحي ولأفراد المجتمع ، وعليه أن يتقن فن تخطيط مناهج التعليم واختيار الأساليب المناسبة لها . إن كل ما سبق إنما يثبت ضرورة أن تكون معلومات ومهارات طبيب المجتمع شاملة ، لتساير في شموليتها النظرة الشمولية للحفاظ على الصحة .

1-5 مهام طبيب المجتمع

يمكن أن نخلص إلى أن طبيب المجتمع هو الطبيب القادر على أداء المهام والمهارات التالية :

تحديد المشاكل الصحية في المجتمع وتقييم الاحتياجات الصحية .

القيام بالخدمات الوقائية والتي تعزز الصحة في مجتمعه .

القيام بمسؤوليات إدارية داخل المنظومة الصحية .

جمع المعطيات وتحليلها والاستفادة منها .

تقديم الخدمة الصحية الملائمة للمجتمع .

القيام بالبحوث المتعلقة بصحة المجتمع والخدمات الصحية .

القدرة على التعلم الذاتي بما ينسجم مع تطوير مهنته .

القدرة على التواصل مع الأفراد والمجتمع وأعضاء الفريق الصحي .

1-6 مستقبل طب المجتمع

إن طب المجتمع في تطور مستمر ، وسوف يجد مع الأيام قضايا لم تكن معروفة من قبل تفتح أمامه مجالات أوسع من الدرس والمعرفة . وكما تطور علم طب المجتمع في أهدافه تطور في وسائل تدريبه . فالمحاضرات لم تعد هي الأسلوب في تلقي العلوم الطبية ، وإن كانت المحاضرة الجيدة لازالت لها مكانتها واعتبارها ، إلا أننا أصبحنا اليوم نعنى أشد العناية بالتعلم الذاتي ، حيث يدرس الطالب الموضوع ثم يأتي للفصل الدراسي للحوار والمناقشة وتبادل الرأي ، وبذلك يكون تفاعله مع مادة الدراسة أكثر مما لو أصغى إلى محاضرة .وهناك اتجاه متزايد إلى التعلم من خلال الممارسة ، حيث يقوم الطالب بتطبيق مشروع أو بتنفيذ فكرة ، فيتعلم من خلال الممارسة . وأصبح خروج الطالب إلى المجتمع يأخذ نصيباً من وقت الدراسة بعد أن كان الطالب يمضي جُل وقته على مقاعد الدراسة .

ومما لا شك فيه أن التقنيات الحديثة والتطور في علوم الحاسوب قد أضافت قدراً كبيراً من الإمكانيات لطبيب المجتمع مثله مثل غيره ، ويبقى التحدي أن يستفيد من هذه التقنية جل الفائدة في تعلمه وممارسته وأبحاثه .

والاتجاه الآن في البلاد العربية ينحو إلى تعليم الطب باللغة العربية ، وقد أجمع وزراء الصحة العرب وعمداء كليات الطب في العالم العربي ومعهم منظمة الصحة العالمية ( المكتب الإقليمي لشرق المتوسط ) على اعتبار عقد التسعينات عقد تعريب العلوم الطبية .وفي دراسة أجريت في جامعة الملك فيصل وجد أن 3.3% فقط من مجموع الكلمات في مراجع الطب هي كلمات طبية ، وإن القراءة باللغة العربية تزيد من سرعة الدرس بنسبة 46% ومن مستوى استيعابه بنسبة 15% عما لو كانت دراسته باللغة الأجنبية . هذا مع التأكيد على أن تدريس الطب باللغة العربية لا يعفي الدارس من تعلم لغة أجنبية وإجادتها إلى حد الإتقان .

ولم تعد مسؤولية تدريس طب المجتمع مسؤولية قسم واحد في كلية الطب ، وإنما هي مسؤولية يشارك فيها كل أقسام الكلية كأساتذة الأمراض الباطنة وطب الأطفال والنسائية والتوليد والميكروبيولوجيا وغيرها من العلوم ، وكل منهم له دوره في تدريس أسس الوقاية لطلبة الطب .

وقد يكون من المناسب أن نلفت النظر إلى طبيعة التحديات المستقبلية في دراسة طب المجتمع وممارسته ، فهناك التغير الكبير في أنماط المراضة والوفيات في المجتمعات ، وهناك التحديات البيئية وتغير أنماط السلوك البشري ، وكل هذا يجب أن يؤخذ بالحسبان في أي جهود تبذل لطبيب المجتمع أو لطب المجتمع مستقبلاً .

مما سبق نجد أن الطبيب الحريص على أداء واجبه حيال مرضاه وحيال مجتمعه ، عليه أن يقرن العلاج بالوقاية ، وأن تكون نظرته للإنسان شمولية تعنى بجسده وعقله ونفسه ، وأن يعنى بالإنسان كما يعنى بالبيئة التي تحيط به ، وأن مهمته الحفاظ على الصحة إلى جانب علاج المرضى ، وهو بهذا يواجه تحدياً أكبر بكثير من التحدي الذي يواجه الطبيب الذي يقتصر عمله على علاج المريض الذي تمكن المرض منه . وأداة الطبيب في تحقيق هذه الأهداف هي أن يظل ما عاش متعلماً ومعلماً ، وأن يحول علمه إلى مواقف وسلوك ، وأن لا يغادر هذه الحياة الدنيا إلا وقد أسهم في عمارتها ، وترك وراءه لبنات تسهم في البناء وشعلة تنير الطريق للآخرين .

النظرة الشمولية لطب المجتمع

وتداخله مع بقية العلوم

1-2 مقدمة

المرض ليس أمراً جديداً في حياة الإنسان ، بل هو قديم قدم الحياة . ولا ريب أن الإنسان منذ عصوره الأولى قد اضطر للتعامل مع المرض ، وسعى لعمل شيء بخصوصه . وهذا الشيء الذي يستخدم خصيصاً لمعالجة المرض أو للوقاية منه هو نواة وجوهر ما نسميه الطب .

ولم يكن للإنسان في بداية عهده معرفة بالظواهر والقوانين الطبيعية إلا بالقدر الذي تهديه إليه الفطرة السليمة . وجاء اكتساب المعرفة تدريجياً من خلال التجربة والتعلم وبفضل التناقل عبر الأجيال المتعاقبة .

ولأن المعارف البشرية كانت محدودة في تلك العصور ، فقد كان بوسع المجتهد أن يلم بكل ضروبها ، وأن يقدم إسهامات في مختلف ميادينها ، وأن يشتغل بكل صناعاتها وفنونها . لهذا كان العلم واحداً ، وكان منظور العلماء موسوعياً وشمولياً ، وكان إدراكهم للظواهر المتباينة والمتنافرة ينتظم في إطار النظريات والمعتقدات التي تحاول أن تفسر أصل الكون والحياة .

وعلى ذلك نشأت وترعرعت كل ضروب المعرفة في أحشاء الفلسفة أو العلوم الأخرى ، ولم يكن للطب أن يشذ عن ذلك . وكان يطلق على المعالجين القدماء وعلى مهنتهم أسماء تشير إلى اتصافهم بالموسوعية وإلمامهم بعموم الحكمة . والذي يراجع سير أعلام الطب عبر العصور ، يجد أنهم اشتغلوا بالفلسفة ومختلف العلوم بجانب اهتماماتهم الطبية ، ويلاحظ كيف تأثرت نظرياتهم ومناهج تناولهم لقضايا الصحة والمرض والمداواة بمجمل التراث الفلسفي السائد في عصرهم . وبما أن الإطار النظري المرجعي لصناعة الطب قد كان في جوهره خرافياً ويستند إلى ما هو مجهول ، فقد جاءت الممارسات العملية ( التشخيصية والعلاجية ) المترتبة عليه عشوائية ، ترتمي في متاهات الخرافة والشعوذة والطقوس الضالة .

وم الجانب الآخر ، فإنه مثلما تعلم الإنسان بنعمة ربه ، واستخدم العقل الذي حباه به سبحانه ، فعرف الآلات الحجرية والصيد والنار والزراعة وتربية الحيوان ، كذلك تعلم بالملاحظة والمصادفة والتجربة والخطأ كيف يربط بين الظواهر المرضية ، خاصة الواضحة منها ، وبين العوامل التي تسببها والأخرى التي تعالجها . ومع التراكم المتواصل لهذه المعلومات وفحصها وتمحيصها في واقع الممارسة العملية ، ثم مع تناقلها عبر الأجيال عن طريق التلمذة والتدرب والدراسة ، تعلم الإنسان فنون المعالجة السليمة ، وإلى ذلك ترجع البداية الصحيحة للطب كعلم تجريبي .

2-2 المنجزات الحديثة

لا يحتاج التطور الفائق الذي وصلت إليه العلوم والتكنولوجيا العصرية إلى مزيد بيان ، ولم يتخلف ركب الطب عن هذه المسيرة . إذ لم يعد الطبيب معتمداً ، في تشخيص المرض ، على الاستنتاجات المبنية على الفحص الخارجي لظاهر البدن ، فالوسائل التكنولوجية التشخيصية المخبرية والسريرية المتمثلة بأجهزة القياس الإلكتروني والأشعة والألياف البصرية والموجات الصوتية وغير الصوتية والنظائر المشعة والرنين المغناطيسي

وغيرها أحالت جسم الإنسان ووظائفه إلى كتاب مفتوح يمكن للطبيب أن يقلب صفحاته كيفما يشاء وأن يدرس محتوياته كيفما يشاء وأن يدرس محتوياته بأدق تفاصيلها . وهكذا اتسعت المعرفة بجوهر وتفاصيل الوظائف والعمليات الحيوية في ظروف الصحة وفي حالات المرض ، وأصبح من الممكن التدخل في اتجاهات ومعدلات هذه العمليات . هذه الانتصارات الكبيرة ترتبط كلها تقريباً بالجانب العضوي ( البيولوجي ) في الإنسان ، ولذلك لم يكن من الغريب أن يؤدي تسليط هذه الأضواء إلى زيادة الحماس والاهتمام والانشغال بالوظائف العضوية إلى درجة كبيرة ولكن دون تجاهل النواحي النفسية والعوامل البيئية والاجتماعية في نشوء الحالات المرضية .

2- 3 التخصصات الطبية

من البديهي أن يكون التخصص في فروع المعرفة ضرورياً وموازياً لتطور العلوم ، فتراكم المعلومات قد بلغ حداً لم يعد من الممكن معه لأي دارس أن يلم لوحده بكل الموضوعات . وكانت بداية التخصص تأتي غالباً وليدة الصدفة أو نتيجة اكتشاف أو ملاحظة تقود الباحث إلى الاهتمام بالموضوع المعين ومتابعته ، وهكذا يتقلص اهتمامه بغيره من الموضوعات ، ويتحول تدريجياً إلى ميدان وحيد لمساهماته العملية ومن ثم يتتلمذ عليه باحثون جدد ، وتتبلور نواة التخصص العلمي الجديد .

قبل ظهور التخصص كانت العلوم تدور في فلك الفلسفة وتحت مظلتها ، وكانت الفلسفة تعطيها البعد النظري الذي يربط بعضها ببعض في إطار مفهوم شمولي للكون ولظواهر الطبيعة . ولذلك فإن استقلال العلوم التجريبية عن الفلسفة ، رغم حسناته وضرورته لتطور تلك العلوم ، قد أدى إلى تضييق النظرة المشولية لدى أغلب المتخصصين في ميادين العلوم التجريبية ، حيث أخذ يضعف إدراك المتخصصين لما تعنيه وحدة الظواهر الطبيعية ومحتوى تفاعلاتها الداخلية . ولأن العلوم والتخصصات قد بدأت تفقد هذا المنظور الشمولي الذي يوحد بينها ويربط بعضها ببعض ، فإنها قد أخذت تتباعد عن بعضها وتختلف في تعبيراتها حتى عندما تعالج نفس القضايا المشتركة من زوايا رؤيتها المختلفة . وهكذا اغترب الطب ليس فقط عن الفلسفة ، وإنما عن العلوم الإنسانية الأخرى كالاجتماع والدين والأنثروبولوجيا وعلم الأجناس والاقتصاد والتاريخ وغيرها .

ثم إن التطور اللاحق قاد إلى مزيد من التخصص داخل فروع الطب نفسها ، ثم إلى تخصصات داخل التخصصات ، حتى ليبدو غير بعيد ذلك اليوم الذي سيظهر فيه تخصص لكل مرض أو علة على حدة . وليس المقصود من هذا إنكار إيجابيات التخصص كوسيلة لتركيز القدرات ومضاعفة عائداتها ، ولكن المقصود مواجهة السلبيات المتمثلة في الميل لدى المتخصصين للاكتفاء بتوجيه جهودهم العلاجية للمرض الذي يظهر على المريض بمعزل عن الحالة الاجتماعية للمريض بكامل تداعياتها الحيوية والنفسية والاجتماعية والروحية .

2-4 تعريف المرض

تكتفي بعض المعاجم بتعريف الكلمة بمترادفاتها كقولهم : المرض هو السقم أو الداء ، وبعض آخر يعرف الشيء ببيان نقيضه فيقولون : المرض هو انتفاء الصحة ، وبعض يعرفه بدلالته : المرض ما احتاج صاحبه إلى علاج .

ومجمل ذلك أن المرض هو حالة من الاضطراب الذي يعتري الصحة بسبب تلف أو نقص أو خلل عضوي أو وظيفي في البدن أو النفس ، مما يؤدي إلى معاناة ذاتية لصاحبه أو إلى قصور في أدائه البيولوجي أو العاطفي أو الاجتماعي .

2-5 معنى المرض

لا ينحصر مفهوم المرض في حدود المسبب أو المثير الذي يمكن إرجاع بداية المرض إليه ، فليس الالتهاب الرئوي مثلاً مجرد غزو وتكاثر وتسمم من جراثيم ذات اسم معين ، وليس السكري مرادفاً لنقص إفراز الأنسولين من البنكرياس ، وليست نوبة الهستيريا انعكاساً للواقعة الانفعالية التي أدت إليها ، وهكذا . وعلى الأطباء التحرر من تأثير هذه الخلفية الفكرية في السلوك العلاجي ، وهي في الواقع تكمن وراء الممارسات السريرية الاختزالية التي تكتفي بكتابة وصفات : المضاد الحيوي للالتهاب الرئوي ، والأنسولين أو خافضات السكر للسكري وتطييب الخواطر في حالة الهستيريا .

هذه الوصفات العلاجية المحددة أصبحت اليوم في متناول الممارس الطبي بفضل ما وصلت إليه العلوم من تقدم تكنولوجي ، ولكنها للأسف تبرر قبول مفهوم قاصر لأصل الداء ، وذلك ينتهي بنا إلى معالجة لا تعدو أن تكون جزئية أو مؤقتة . فالالتهاب الرئوي مثلاً ليس مجرد دخول الجراثيم إلى رئة المريض ، فذلك في حد ذاته لا يفسر جميع التغيرات المرضية التي ما كانت لتأخذ صورتها المعروفة لولا وجود مكونات أخرى أهمها ردود الفعل الدفاعية البيولوجية التي تتصارع مع الجرثوم المهاجم ، فتتكون المادة المريضة من حطام كليهما . كما أن من المعلوم أن أكثر أعراض هذا الالتهاب ( السعال وسرعة التنفس ، وإلى حد ما ارتفاع درجة الحرارة ) هي عوامل يغلب عليها الدور الدفاعي . وعلى نفس المنوال يمكن مع التعديلات الملائمة ، تناول مسألة السكري وحالة الهستيريا .

والعيب الآخر للنظرة الضيقة للمرض يكمن في أنها رغم صحتها العلمية في حدود ما تذهب إليه تُغفل جوهر الحالة المرضية الذي يتمثل في مجمل التفاعلات الغريزية والمكتسبة ، الداخلية والخارجية ، العضوية والوظيفية التي تحدث داخل الكائن الحي من جهة ، وفي علاقته بالبيئة المادية والاجتماعية من جهة أخرى .

إن النظرة الشمولية في الطب لا تعتبر المرض مجرد عارض عشوائي أو موضعي ، وإنما تعتبره حلقة في سلسلة لها حلقات تتداخل وتتفاعل على نحو بالغ التعقيد والدلالة . إن نظرة من هذا القبيل هي وحدها القادرة على التصدي للسؤال الكبير : لماذا أصيب هذا الشخص بالذات ، بهذا المرض بالذات ، في هذا الوقت بالذات ، بهذه الطريقة بالذات ؟ قد يبدو سؤال من هذا القبيل نظرياً وفضولياً وعديم الدلالة ، ولكن طرحه قد يكون الفارق الذي يميز معالجة المرض كحدث عن معالجة المريض كإنسان .

2-6 سلوك مواجهة المرض

يُقصد بمصطلح " سلوك مواجهة المرض " الطريقة التي يتصرف بها الشخص إزاء مرضه منذ اللحظة التي يشعر فيها بأول الأعراض وحتى اكتمال الشفاء . وبالطبع يختلف هذا السلوك باختلاف الأشخاص والأمراض والمراحل . ومن المهم من وجهة النظر العلاجية التعرف على مظاهر هذا السلوك والتعامل معها لأنها تلعب دوراً في سير المرض وأيضاً في نتائج العلاج .

تبدأ المرحلة الأولى للمرض الظاهر عادةً بظهور الأعراض التي قد تأخذ شكل الألم العضوي أو الضيق وعدم الارتياح أو عدم المقدرة على أداء بعض الوظائف الجسدية بصورة طبيعية . هذه الأعراض تتمثل بالإحساس بأن شيئاً غير طبيعي يحدث في الجسم ، وقد يعبر المريض عن ذلك الشعور لمن حوله كالأهل والأصدقاء ، وقد لا يفعل ذلك صراحة ، ولكنهم يلحظونه من تصرفاته . ويمثل الإحساس بالعرض في موضعه من الجسم المكون الإدراكي ، أما تحليل ذلك الإحساس وتقييمه من حيث الهوية والأهمية فتمثل المكون المعرفي لذلك العرض . وكل إنسان يحس من حين لآخر ببعض الأعراض كالصداع أو ألم المعدة أو خفقان القلب أو الطفح الجلدي أو التوتر النفسي أو غير ذلك . وكثيراً ما تكون الأعراض خفيفة وعابرة ، فلا يعيرها الشخص كثير اهتمام ، وبالمقابل توجد حالات أخرى يقرر فيها الشخص أن العرض مهم ويستوجب فعل شيء بصدده .

هذا القرار تحدده مواصفات يتعلق جزء منها بالجانب الإدراكي ، الذي تحدده شدة العرض ومدته واستمراره ومدى تعارضه مع أداء النشطة والالتزامات الشخصية والاجتماعية ، ويتعلق جزؤها الآخر بالجانب المعرفي الذي يتأثر بعوامل كثيرة منها نمط الشخصية والمزاج السائد والخلفية الحضارية والاجتماعية ومستوى التعليم والتجارب المرضية السابقة والأحداث الحياتية الراهنة .

أما رد الفعل النفسي للعرض ، فإنه قد يأخذ شكل الانزعاج والقلق والهم ، بكل ما يصاحب ذلك من أعراض إضافية ، أو أنه يتخذ على نقيض ذلك أشكالاً هروبية تكبح القلق مثل الحيل الدفاعية المعروفة ، كالإنكار والتبرير والإسقاط وغيرها . ومن المهم للطبيب أن يتعرف على هذه الأنماط من السلوك المرضي لأنها تؤثر بصورة مباشرة على المعالجة . فعلى سبيل المثال ، إذا كان رد الفعل للأعراض إنكارياً فإن ذلك قد يؤخر الاعتراف بالمرض وطلب العلاج له ، مما قد يؤدي إلى استفحال المرض ومضاعفاته . ومن الناحية الثانية فإن المبالغة في تقييم شدة المرض تؤدي إلى القلق الذي يضاعف بدوره حدة المرض ويطيل مساره . هذا القلق قد يصبح في حد ذاته مرضاً يحتاج إلى معالجة خاصة به .

ولا يقتصر سلوك مواجهة المرض على الفترة السابقة للعلاج ، وإنما يشمل فترة العلاج أيضاً ، وهو في الواقع يلعب الدور الرئيسي في تحديد موقف المريض من مسائل علمية كالانتظام في تناول الدواء وامتثال الإرشادات والامتناع عن المحظورات والحرص على مواعيد المراجعات .

2-7 تمثيل دور المريض

عندما يقرر شخص ما ، أو تقرر الجماعة التي ينتمي إليها ، أنه قد أصبح مريضاً ، يكون ثمة واقع جديد قد بدأ يفرض نفسه في التعامل المتبادل بيه وبين الآخرين . وهذا يتطلب إعادة ترتيب التفاعلات والأدوار والتوقعات داخل الجماعة واعتماد معادلة جديدة تتضمن قبول المريض بحاله كونه مريضاً والاعتراف بهذا الأمر الواقع من قبل الجماعة ( الأهل ، الأصدقاء ، جهة العمل ، إلخ ). وهكذا فإن دور المرض ييسر حصول المريض على امتيازات لم تكن موجودة من قبل ، من ذلك إعفاؤه من التزامات كان متوقعاً أن يقوم بها ، أو اختصاصه بالعطف والتشجيع .

يختلف دور المرض باختلاف الأمراض ، فكلما كان المرض شديداً بسبب أعراضه وعلاماته كان دور المريض مبرراً . ولذلك فإن الدور الذي يتخذه المريض يجب أن يتناسق مع توقعات الدور كما يقدرها الآخرون . وعندما تكون للمريض حاجة نفسية أو اجتماعية لتوقع معاملة خاصة من الجماعة ، فإن ذلك قد يدفعه ( بوعي أو بدون وعي ) إلى تهويل صورة المرض لديه ، ومن ثم إلى لعب دور المريض حين لا يوجد مرض من النوع الذي تشير إليه الأعراض التي يظهرها المريض . مثال ذلك طفل لا يريد الذهاب إلى المدرسة فيشكو من آلام حادة في البطن ، وزوجة كانت تفضل أن تُترك لحالها فتشعر بصداع الحاد ، ورجل كثرت عليه المسؤوليات فأقعده ألم الظهر .

مثل هذه الحالات ليست نادرة في حياتنا اليومية ، وهي تمثل نسبة معتدّة من مجموع الحالات الواردة للأطباء ، خاصة في مراكز الرعاية الأولية والطب النفساني . ونظراً لارتباط أغلبها بظروف عائلية أو مهنية أو اجتماعية ، فإنها تهم أيضاً طب الأسرة والمجتمع .

ويبالغ بعض الناس في تمثيل دور المريض ، وآخرون نقيض ذلك . تتمثل المجموعة الأولى في أولئك الذين لا ينقطعون عن مراجعة العيادات الطبية بأعراض موهمة ، ويستفيدون من الخدمات الطبية دون مبرر . والمجموعة الثانية تتألف من نقيض هؤلاء من المرضى الذين يجد الطبيب عندما يراجعونه للمرة الأولى ، أن لديهم أمراضاً تطورت واستفحلت ، وربما استعصى علاجها بسبب تأخرهم عن المراجعة .

من أجل ذلك لا بد من التمرس في معرفة الأمراض أولاً ، ثم تحسين التواصل بين الطبيب والمريض ثانياً ، ثم فتح قنوات التواصل الثلاثية التي تشمل الجماعة المحيطة بالمريض ( الأهل والأصدقاء وزملاء العمل وغيرهم من الجهات الاجتماعية ذات العلاقة بالمريض ) . بهذا وحده يكون الطبيب قد ارتقى من مرحلة علاج الأعراض إلى مرحلة علاج الإنسان كإنسان .

2-8 العلوم المتداخلة

يندرج معظم العلوم التي تتداخل مع الطب تحت ما يسمى بالعلوم الإنسانية ، وتشمل علم النفس وعلم الاجتماع والأثروبولوجيا والتاريخ والاقتصاد وغيرها .

يختص علم النفس العام بدراسة السلوك ( الفطري والمكتسب ) والعمليات العقلية ( الإدراك والتصور والتفكير والتعلم والتذكر والعواطف والدوافع ، إلخ ).

وعلم النفس له فروع كثيرة ، منها علم النفس الفيزيولوجي الذي يهتم بدراسة الأصول البيولوجية للسلوك ، وهناك علم النفس الاجتماعي الذي يدرس المكونات الثقافية والتاريخية للسلوك ولنمو الشخصية . أما علم النفس المرضي فإنه يبحث التغيرات والظواهر المرضية بجذورها ومسبباتها وأعراضها وتصنيفاتها . وعلم النفس السريري يطبق مبادئ علم النفس المرضي والعام في تشخيص وعلاج الحالات النفسية .

أما الميدان الثاني فهو علم الاجتماع الذي يدرس الظواهر الاجتماعية ، وبصفة خاصة مكونات وأسس ونظم المؤسسات والتفاعلات الاجتماعية. إن علم الاجتماع يتعامل مع المجتمع كوحدة أساسية في التحليل ، ويبحث الظواهر الاجتماعية كنتائج للعلاقات والتفاعلات بين أعضاء الجماعة . ويتمثل أساس التداخل بين علم الاجتماع والعلوم الطبية في الأبعاد الاجتماعية لمسائل الصحة والمرض ، وتحديد دور الظروف والعوامل الاجتماعية في حدوث المرض وفي مساره من جهة ، ودور المرض وتأثيره على العوامل الاجتماعية من الجهة الأخرى . ومن القضايا الهامة التي يعالجها علم الاجتماع ، المضمون الاجتماعي للصحة والمرض والمكونات الاجتماعية للسلوك في حالتي الصحة والمرض ودور القيم والمفاهيم والمعايير الاجتماعية في تحديد معنى المرض والسلوك المرضي ، وكذلك دور المؤسسات الاجتماعية كالأسرة والجماعة والجيران والمجتمع المحلي والعام في التنشئة الاجتماعية ، ودراسة ظواهر الحركة الاجتماعية كالتحولات الحضرية والاقتصادية ، وقضايا النزوح والهجرة ، ومشاكل الأقليات الاجتماعية ، ومسائل الضبط الاجتماعي والانتماء ، وغير ذلك .

ولعلم الاجتماع فروع كثيرة منها علم الاجتماع الطبي ، وهو فرع تطور كثيراً بعد الحرب العالمية الثانية ، ويهتم بدراسة العوامل الاجتماعية المرتبطة بالأمراض وعلاجها . وهناك فرع حديث التكوين يسمى علم الاجتماع النفساني . وغني عن القول إن علم الاجتماع وثيق الارتباط بالطب وخاصة الطب الوقائي وطب الأسرة والمجتمع والطب النفساني ، مثلما هو وثيق الصلة بعلم النفس والأنثروبولوجيا .

أما الأنثروبولوجيا ( علم الإنسان ) فتدرس أصول البنى الثقافية والحضارية وتطورها ، بما فيها من عادات وتقاليد وطقوس ورموز ، وغير ذلك من الخصائص التي تميز الشعوب والقوميات والقبائل . وللأنثروبولوجيا ارتباط وثيق بالثقافة ، التي هي المجموع الكلي للأفكار والمعتقدات والقيم والمعايير واللغة والرموز والفنون ووسائل التواصل والتعبير والتعامل ، والتي يتم توارثها عن طريق التنشئة الاجتماعية ، وتعكس طبيعة التفكير والتعامل والتواصل داخل المجتمع ، وتبدي اهتماماً ملحوظاً بدراسة مسائل ذات صلة بالصحة والمرض . مثال ذلك إجراءات وطقوس الزواج والحمل والرضاعة والتنشئة والتغذية وطرق التداوي ، بما فيها أنماط العلاج التقليدي والشعبي وغيرها .

وهناك فرع من علم الإنسان يسمى الأنثروبولوجيا الطبية ، وهو ميدان أخذ في النمو بسرعة ، ويهتم بدراسة القضايا المشترطة بين ميدان الطب والأنثروبولوجيا ، ويسعى لتطبيق المنظور الأنثروبولوجي في فهم التعبيرات والسلوكيات المرضية والعلاجية ، كما يهتم بالدراسة المقارنة للفروق بين الحضارات في مظاهر الأمراض وتداعياتها .

هذه بعض العلوم السلوكية التي تتداخل فيما بينها ، والتي تتداخل مع العلوم الطبية . ويحتاج الطبيب الذي يتولى علاج المرضى أن يكون عارفاً بهذه الجوانب في حياة المريض ، ليتمكن من فهم مجمل حالته ،ووضع التصورات السليمة لمعالجتها .

2-9 النظرة الشمولية

الإنسان كائن له بدن وعقل وفطرة اجتماعية ، والوظائف التي تنظم حياته تدور حول هذه المكونات الثلاثة : الأولى بيولوجية وتتعلق بالوجود المادي للبدن كما تمثله الحالة العضوية والوظيفية لعناصره وأجزائه ، والثانية نفسية وتمثل الجوانب المعرفية والوجدانية والسلوكية ، والثالثة اجتماعية وتتصل بعلاقات الفرد وتفاعلاته مع غيره من الأفراد والجماعات . ويكون اكتمال الصحة باكتمال هذه العناصر ، والمرض هو ما أدى إلى الإخلال بشيء من تفاعلاتها المتبادلة .

لنأخذ مثال : شاب أصيب بانزلاق غضروف في أسفل السلسلة الفقرية ، وهو مرض عضوي بحت كما هو معلوم للجميع ، ومن أهم أعراضه الألم الموضعي ، خاصة عند الحركة والانثناء ويسبب تعطيلاً لحركة المريض ويجبره على الرقاد الطويل ، وله مضاعفات ، إذا حدثت قد تؤدي إلى شلل للنصف الأسفل من الجسد . والمريض يعرف كل ذلك ، ويشعر بالقلق والخوف على مستقبله ، والقلق له أعراض كثيرة في مقدمتها التوتر وسرعة الانفعال والعصبية وكثرة التفكير واضطراب النوم واضطراب الشهية وغيرها . يؤثر التوتر العضلي على حركة العضلات ، ويعرقل التنسيق في حركة عضلات الظهر ، وبالتالي يزيد ألم الظهر . أما اضطراب النوم ونقص الشهية فيضعف الحالة الصحية العامة وبالتالي يؤثر على مقاومة المريض للمرض . أما الانفعال والعصبية وضيق الصدر فتجعل المريض غير قادر على الصبر وتحمل الرقاد الطويل وامتثال الإرشادات ، وبالتالي يضر بسير علاج انزلاق الغضروف . ومن ناحية ثانية ، فإن تعطيل الحركة والرقاد العلاجي يعزل المريض عن عمله وعن نشاطاته الاجتماعية ، والانفعال والعصبية يجعلانه صعب التعامل مع الآخرين ، و لربما أثر ذلك على علاقاته بالأهل والأصدقاء . إن التعاطف والمساندة التي يجدها المريض من أهله وأصدقائه تساعده نفسياً ، ولكنه إذا شعر بتقصير في هذا الجانب ، فسيؤثر ذلك على مستقبل علاقاته الاجتماعية معهم . ويمكن على هذا المنوال أن نواصل متابعة التداخل بين هذه التأثيرات وسنجد أنها دائرية لا تنتهي .

والخلاصة أن المرض ، الذي ظننا أنه مرض عضوي بحت ، يحتوي في الواقع على عناصر وأبعاد نفسانية واجتماعية تتداخل معه وتؤثر على نتائج العلاج المقرر له .

ويمكن استخدام نفس المنهج في التحليل للتدليل على أن أي مرض تقريباً ، عضوياً كان أم وظيفياً ، جسدياً كان أم نفسياً ، له عناصره العضوية والنفسية والاجتماعية . وعلى هذا فإن أي علاج لأي مرض يجب أن يراعي معالجة الجوانب النفسية والاجتماعية جنباً إلى جنب مع الجوانب العضوية . والطبيب الناجح هو الذي يستطيع أن يضع كل هذه العوامل في اعتباره عندما يتولى معالجة أي مريض . وقديماً قالوا : العقل السليم في الجسم السليم . فقد لوحظ منذ القدم أن مرض الجسم يؤثر على العقل . وكان من الممكن بالطبع ملاحظة أن مرض العقل يؤثر بنفس القدر على صحة الجسم . وكلاهما يؤثر على الوضع الاجتماعي ويتأثر به . ويمكن القول إجمالاً إن أي اضطراب في أي وظيفة ، بيولوجية كانت أم نفسانية أم اجتماعية ، لابد أن تكون له انعكاسات على سائر الوظائف الأخرى . وقد تكون هذه الانعكاسات كبيرة أو صغيرة ، سافرة أو خفية ، ولكنها في كل الأحوال موجودة . وهناك أمراض نجدها متداخلة في عناصرها البيولوجية والنفسانية والاجتماعية ، خير أمثلتها إدمان الخمر والمخدرات والانحرافات الجنسية ومحاولات الانتحار ، إلخ . إلا أنه حتى في الحالات التي تبدو فيها غير واضحة التداخل ، يمكن بالتمحيص اكتشاف نفس هذه التأثيرات المتبادلة بيولوجياً ونفسانياً واجتماعياً .

2-10 العلاج البديل

ويسميه البعض العلاج التقليدي أو الشعبي ، وحديثاً اصطُلح على تسميته العلاج البديل ، بمعنى أنه ملجأ علاجي يرتاده المحتاجون ، وهو يوازي العلاج الطبي ، وله ارتباط وثيق بالبيئة الاجتماعية التي يمارس فيها ، فهو يستمد مفاهيمه من التراث الشعبي بكل ما فيه من أفكار ومعتقدات وقيم ومعايير ومعطيات تاريخية وجغرافية وحضارية .

بسبب هذا الارتباط نجد المعالج الشعبي لا ينظر إلى المرض كظاهرة منفصلة ، وإنما كجزء من كل ، فالطريقة التي يتعامل بها هذا المعالج مع مرضاه تعكس اهتماماً بكل الجوانب المتداخلة ، ولذلك فالمعالج الشعبي لا يحصر اهتمامه في الجزء العليل من الجسد ، بل ولا في كامل الجسد ، وإنما في مجمل ذات المريض كإنسان . ولذلك تأتي تشخيصاته في إطار المفهوم الاجتماعي للمرض مستمدة من ظروف المريض ، وتعاملاته الاجتماعية ، والدور المرضي الذي يقوم به المريض ، وتوقعات الدور لدى ذويه. وتجعل هذه النظرة المرضى أكثر ارتياحاً مع المعالج الشعبي ، وعلاقة المعالج الشعبي مع مريضه أفضل من علاقة الطبيب . فالمعالج الشعبي لا يستمد صلاحيته من الكتب النظرية أو من التجارب المقتبسة ، إنما من الثوابت الثقافية المشتركة بين أفراد الجماعة . وهو يعطي المرض مدلولاً اجتماعياً يحظى بقبول الأهل والجماعة ، وعن طريقه تصبح الجماعة شريكاً في المرض والعلاج .

كثيراً ما يسخر الأطباء من المرضى الذين يفضلون العلاج البديل على العلاج الطبي الحديث ، ولكن لو لم يكن لهذا العلاج إيجابيات حقيقية لما وجد الرواج الذي نراه عليه اليوم . فالإحصائيات تدل على أن نسبة المرضى الذين يقصدون المعالجين الشعبيين في ازدياد مستمر ، ليس فقط في البلدان النامية ، وإنما حتى في أكثر البلدان تقدماً ، رغم كل التطور الذي وصل إليه الطب الحديث. وهناك ميل لدى الأطباء إلى السخرية من المرضى الذين يترددون على المعالجين الشعبيين . وهذا منطقي في الحالات التي تتطلب تدخلاً تشخيصياً وعلاجياً لا يتوافر لدى أولئك المعالجين . على أنه من الضروري للطب الحديث أن يدرس أيضاً الإيجابيات التي تجذب الناس إلى الطب البديل ، وأن تعاد صياغة المفاهيم والمناهج لاستيعاب تلك الإيجابيات وإدخالها في الممارسة الطبية ، فهذه الإيجابيات كانت في الأصل موجودة ، ولكننا فقدناها في زحمة التطور وزهو الانتصار .

2-11 النظرة الروحية

ما تقدم ذكره لا ينطوي على جديد ، وهو في جوهره ما اتفق على تسميته بالنظرة البيولوجية النفسانية الاجتماعية التي تنظر إلى قضايا الصحة والمرض من خلال تفاعلات هذه العوامل الثلاثة ، ويشار إليها أيضاً بالنظرة الشمولية . ولكن هل هو شمولي بكل معنى الكلمة ؟ وإن كان كذلك فأين دور العامل الروحي ؟

بداية نود أن نذكر بأن كلمة الروح قد سقطت من كل المؤلفات الطبية الغربية منذ زمن طويل ، وهذا موضوع له جذوره وأسبابه التاريخية التي لا يتسع المجال للخوض فيها الآن ، إلا أن إنكار وجود الشيء لا يلغي وجوده ، وعندما لم يستطع الدارسون إغفال تأثير العوامل التي تتعلق بالدين والمعتقدات ، لم يفكروا فيما تنطوي عليه من قيمة مباشرة في حياة الإنسان ، وإنما اعتبروها عوامل اجتماعية من منظور ارتباطها بتفاعل الإنسان مع المجتمع المحيط به .

وهذا التعليل لا يخلو من جانب من الحقيقة ، ولكنها حقيقة ناقصة . فلا ريب أن التنشئة الاجتماعية تلعب دوراً رئيسياً في غرس قيم الخير والحق والفضيلة ومكارم الأخلاق ، ولكن هذا لا يعني النظر إلى الدوافع الدينية والروحية باعتبارها عنصراً ثانوياً تحدده علاقة الفرد بالآخرين ، أي ذات محتوى اجتماعي بحت .

فالإنسان المتدين يدرك تماماً أن هناك أشياء كبيرة وذات أهمية مركزية في حياته تتعلق بخالقه سبحانه ، ولا تتأثر تعاملاته معها بوجود الناس أو غيابهم ، برضائهم أم غضبهم ، بلا شك . والجانب الروحي يلتقي مع الجانب الاجتماعي على محاور عديدة ، ولكن هذا الالتقاء ليس عاملاً ثابتاً وإنما يتغير ويختلف من شخص إلى آخر ، ومن وقت إلى آخر ، ومن بيئة اجتماعية إلى أخرى . إن درجة الالتقاء بين العوامل الروحية والاجتماعية في حياة الإنسان تحددها درجة التوافق الروحي بين الإنسان والمجتمع المحيط به .

هذا هو البعد الرابع في تفاعل العوامل الحيوية النفسية الاجتماعية الروحية . وهو البعد الضائع حتى الآن ، ولو أن جمعية الصحة العالمية ، وهي الهيئة الرئاسية لمنظمة الصحة العالمية ، قد أصدرت عام 1984 قراراً تاريخياً يعترف بهذا البعد الروحي ويلفت النظر إلى أهميته البالغة في صحة الإنسان .

*بتصرف من كتاب طب المجتمع نشر منظمة الصحة العالمية -الشرق المتوسط


2010-10-22

أهم ٥ نصائح الواجب على المسافر معرفتها قبل السفر(YOUTUBE) 2018-01-15
الإعاقة الحركية 2017-11-30
إعاقات فكرية 2017-12-01
الإعاقات 2017-12-01
فاعلية برنامج تدريبي لتحسين نطق بعض الأصوات 2017-12-01
ورقة عمل:المهارات الحياتية وتأهيل المعاقين 2017-12-01
قيادة السيارة للأشخاص ذوي الاعاقة المصابين بشلل رباعي 2017-12-01
مواكبة المستجدات التقنية في عالم سريع التغّيُر 2017-12-01
كتاب/ الأمن والسلامة وإدارة الكوارث في المنشآت2015م 2015-12-04
كتاب/ الإسعاف الأولي وإنقاذ الحياة 2015-12-04
كتاب/ السواقة الدفاعية سواقة آمنة 2015-12-04
كتاب/الأمن والسلامة المدرسية وإدارة الكوارث2013م 2015-12-04
كتاب/ المخدرات.. الهاوية المدمرة 2015-12-04
السلامة في المنزل 2015-11-17
الإفراط الدوائي لكبار السن 2014-01-03
الجفاف Drought 2013-02-18
صحتك في الحج 2012-10-01
الأولويات الاستراتيجية للأبحاث الطبية والصحية 2012-04-03
الجروح Wounds 2012-02-17
مكافحة الأمراض السارية 2012-02-16
لسعات النحل Bee Stings 2011-03-22
الارتجاج الدماغي (Cerebral concussion) 2011-01-15
الصحة حق إنساني 2010-12-05
تعريف الوبائيات وأهدافها 2010-11-02
لدغات الأفعى..الحد من المخاطر..Snake Bite 2009-02-01
إرشادات صحية للوقاية من أخطارالكوارث الطبيعية : الغرق بالسيول 2009-12-14
سرعة نبضات القلب Tachycardia 2009-02-06
التنويم في المستشفى 2009-03-23
صعوبات البلع Dysphagia 2009-03-21