تعريب الطب ونظرة إلى الجذور(4):(طب المُجْتَمَع) أم (طب القَرْيَة)


تعريب الطب ونظرة إلى الجذور(4):(طب المُجْتَمَع) أم (طب القَرْيَة)

أ.د. كريم حسنين إسماعيل عبد المعبود

دكتوراه في أمراض النساء والتوليد

أستاذ التوليد وأمراض النساء - كلية الطب- جامعة عين شمس

___________________________________________________________________________

إن المحور الأساسي لما أصطلح على تسميته بطب المُجْتَمَع (community medicine) هو أن العوامل الرئيسية المحددة لصحة المجتمع تتواجد في المجتمع ذاته، في كل من أفراده بخصائصهم الاجتماعية والثقافية والأحيائية، وفي بيئته الفطرية أو الإصطناعية. وعلى الرغم من مضي ما يقرب من ثلاثة عقود على استحداث هذا التخصص الطبي إلا أن التعبير العربي المقابل والمصطلح عليه (طب المُجْتَمَع) يعتريه القصور. من الناحية اللغوية فإن المصطلح الإنجليزي (community) يدل على جَمَع من الناس يعيش في نفس المنطقة، وكذلك هذه المنطقة بذاتها، بينما المدلول الأخير هو المفهوم فقط من المصطلح العربي الحالي (مُجْتَمَع). وبالأخذ بالأدلة الموضوعية المستقاة من القرآن الكريم ومعاجم اللغة يمكن القول بأن التعبير العربي الأصيل والعتيق (قَرْيَة) اسم مرة يدل على جَمْعٍ من الناس مجموعين للعيش معاً في منطقة محددة، وهذا المدلول يتطابق مع نظيره للمصطلح الإنجليزي (community)، وعليه فإن أصح تعريب لاسم هذا الفرع الجديد في الطب هو (طب القَرْيَة).

الكلمات المرجعية:مجتمع، طب، القرآن، اللغة العربية، التعريب.

___________________________________________________________________________

   

Central to the approach of community medicine is the premise that main factors that determine a community's health are to be found within the community itself, whether in its population's social, cultural, or biological features or in its environment, natural and man-made. Despite the elapse of about three decades since the introduction of community medicine, the corresponding Arabic expression (Tib Al-Mojtamaah) has been defective. Linguistically, community refers not only to a body or group of individuals living in the same region but also to this specific region itself, while the latter being the only one referred to by the contemporary Arabic expression (Mojtamaah). Based on objective evidences, derived from the Holy Qur'an and language dictionaries, it is suggested that the antique genuine expression (Qaaria) implies a population gathered -to live together- into a distinct settlement, an implication matching with that of community. Consequently, the most correct Arabization of the name of new medical branch is suggested to be (Tib Al-Qaaria).

Key Words: community, medicine, Qur'an, Arabic language, Arabization

__________________________________________________________________________


مقدمة:  إن الرجوع إلى التراث الديني(1-9) واللغوي(10-17)من الأسس الهامة في عملية تعريب العلوم، واللغة العربية لها أهمية خاصة في مجال تعليم وممارسة الطب(18)، كما أنها قادرة على استيعاب المصطلحات الطبية المختلفة(19-21)، ومن المعروف أن هناك تخصصات جديدة قد نشأت في مجال الطب، ومنها ما أصطلح على تسميته بطب المجتمع (Community medicine)، وهو الفرع الذي تقوم جمعية متخصصة فيه بنشر هذه الدورية الطبية المنشور بها البحث الحالي.

إن تاريخ صحة المجتمع يعكس مدي التقدم أو الإنتكاسات في أحوال البشر والمجتمعات، كما أن مدلول التعبيرات يتغير مع الزمن، والتعبيرات المستخدمة لفترة طويلة تكتسب إمتداداً في المعني، بينما التعبيرات الجديدة يتم صياغتها للتأكيد على إبراز مدلولات جديدة، وبعض التعبيرات قد تشترك في جزء من المعنى، كما أن التعبير الواحد قد يكون له مدلولات معنوية مختلفة، ومثال على هذا الطب الوقائي (Preventive medicine)، والصحة العامة  (Public health) ، وطب  المجتمع  (Community medicine)                                                                                                                                                                                                                    

حيث تتقاطع هذه المجالات المتقاربة مع بعضها البعض، وتشترك في موروث عمومي في دورها لتحسين الصحة ومنع المرض، ونتيجة لذلك فإن الكثير من البرامج الموجودة تحت أي مسمي منها تتشابه، ومنها على سبيل المثال إدارة الخدمات الصحية، وصحة الأم والطفل، والصحة المدرسية والمهنية، وصحة البيئة، ومكافحة الأمراض المُعْدية، والتوعية الصحية أو التثقيف الصحي، والإحصاء الحيوي، و علم الوبائيات، ولكن هذه المجالات تختلف في واقع الأمر نحواً ما كحركات مهنية، على الأقل في أن كل منها نشأ في وقت مختلف مع طرح مذهب جديد في هذا المجال(22-24). بالمقارنة مع الطب الوقائي والصحة العامة فإن طب المجتمع (Community


___________________________________________________________________________

العنوان البريدي : 2 شارع مبارك – أرض الجولف – مصر الجديدة

الرمز البريدي    :   11341  هليوبوليس  - القاهرة – جمهورية مصر العربية .


medicine) هو أحدث حركة مهنية بزوغاً في التعليم الطبي والممارسة الطبية، والمبدأ المحوري الذي يرتكز عليه هو أن العوامل الرئيسية المحددة لصحة المجتمع تتواجد في المجتمع ذاته – في خصائصه الإجتماعية والثقافية والحيوية- أو في بيئته الطبيعية أو الإصطناعية، وإدراك كيفية تفاعل هذه العوامل لإحداث المرض أو لتحسين الصحة في المجتمعات المتابينة أمر جوهري لإتخاذ القرارت الصائبة لرعاية وحماية المجتمع(25).

بوضع ما سبق بيانه من أن العوامل الرئيسية المحددة لصحة المجتمع تشمل عوامل بشرية وبيئية، وبمراجعة معاجم اللغة نجد أن التعبير الإنجليزي (Community) يشير إلى هذين الجانبين فهو يعني جماعة(26) أو مجموعة (group) (27) أو وحدة هيكيلة تضم كم (body) من الأفراد(28) أو الناس(27) تعيش في (26-28) نفس المكان(27)، أي في منطقة محددة(28) أو موطن واحد(26) وتجمعها خاصية مشتركة ما كتكوين ولاية (state) (28)فتخضع لنفس الحكومة(27)فهي ذات تنظيم مشترك وتعيش في ظل قوانين واحدة(26)وتجمعها مصالح مشتركة(26، 28). ونجد أن نفس التعبير يشير إلى العامل الثاني فهو يعني بصفة عامة المنطقة ذاتها(28)أو المكان الذي تعيش فيه مثل هذه الجماعة(27)، أي موطن هذه الجماعة(26). ومن المستوقف أن هذا المصطلح الإنجليزي لم يأت في تعريبه كلمة (مجتمع)(26) وهو التعبير الشائع في التعليم الطبي حتى يومنا هذا، وقد يكون مرجع هذا أنه عبر تطور هذا الفرع من الطب ظهرت أهمية النواحي الإجتماعية (social) (22، 24) مما دعا إلى تسميته بالطب الإجتماعي (social medicine)(22) ، أو هو بتعبير أصح التطبيب المشترك (socialized medicine)(26)، أو الطب المُجْتَمَعِيّ(societal medicine)، حيث أن التعبير الإنجليزي (society) يعني مجتمع، والصفة (societal) تعني مُجْتَمَعِيّ أو اجتماعيّ(26).

من ناحية أخرى فقد ورد في معاجم اللغة في مادة (جمع) أن الجَمْعُ: ضَمُّ الشيء بتقريب بعضه من بعض(10)، ويقال: جَمَعَ(12-16) الشيءَ(12، 14) عن تَفْرِقة(12)أي المُتَفَرِّقَ(13، 15، 16) يَجْمَعُه جَمْعًا(12، 14-16): جاء به من ههنا وههنا(12) أو ضَمَّ بعضَهُ إلى بعض(15، 16)، والجَمْعُ: اسم لجماعة(11-13، 15)الناس(11-13)، أي المُجْتَمِعون، وقد استعملوا ذلك في غير الناس حتى قالوا: جَماعة الشجر وجماعة النبات(12)،ويجمع على جُمُوعٍ(11، 13)، والمُجْتَمَعٌ(15، 16)، والجمع مُجْتَمَعَات(16): موضع الاجتماع(15، 16). ومما يستوقف المرء أن معاجم اللغة الحديثةدون القديمة قد ورود بها أن كلمة (مُجْتَمَعٌ) تدل أيضاً على الجماعة من الناس(15، 16) والتي تربطها روابط ومصالح مشتركة(16)، مع عدم الإشارة إلى كيفية هذا الإشتقاق، فمن المعروف لغوياً أن (مُجْتَمَعٌ) اسم مفعول، ولابد حينئذ من ورود حرف جر حيث أن الفعل (اجْتَمَعَ) متعدي بحرف جر، فيقال: اجْتَمَعَ به ومعه(16)، ويقال: اجْتَمَعَت له أمورُهُ: اجْتَمَعَ له كُلُّ ما يَسُرُّه(11)، و اجْتَمَعَ معه على أمر كذا أي جامَعهُ(13)، أو وافقه.من المعلوم أن أسماء الزمان والمكان صيغة تدل على زمان        وقــــوع الفعل أو مكانه، وطريقة صوغهما من غير الثلاثي تتحقق يالإتيان بمضارعه، ثم قلب أوله ميماً مضمومة، وفتح الحرف الذي قبل الآخر(17)، وهي صيغة اسم المفعول(16، 17) مثل: مُجْتَمَع(16)، وعليه فالتعبير (مُجْتَمَع) يدل على موضع اجتماع جَمْعٍ من الناس أو غيرهم، بينما القول بأنه يدل على الناس جانبه الصواب، فالمرء وغيره (يجْتَمَعُ) فهو (مُجْتَمِع) أو هم (مُجْتَمِعون) بكسر العين وليس بفتحها حيث أنه اسم فاعل، وصياغته بإبدال حرف المضارعة ميماً مضمومة وكسر ما قبل آخره(16)، وبوضع ما سبق عين الاعتبار نخلص إلى أن استخدام (طب المجتمع) في تعريب (community medicine) يشوبه القصور حيث أنه يدل على جانب واحد فقط وهو العوامل البيئية، بينما لا يدل على الجانب الآخر وهو العوامل البشرية.

في البحث الحالي تم مراجعة ما ورد في المعاجم اللغوية وشروح الآيات القرآنية الكريمة التي ورد بها التعبير العربي الأصيل (القَرْية) في محاولة لاستقراء الدلالة الأساسية لهذا التعبير واستحداث تعبير عربي جديد أكثر دقة في الدلالة على المراد بالتعبير العلمي الإنجليزي (community medicine).

المذهب المقترح:

لم يسبق لأحد من الباحثين محاولة استقراء اشتقاق كلمة (قَرْية) والمدلول الأصليلها، ويذهب الباحث -والله تعالى أعلم- إلى أن لفظ (قَرْية) يدل في الأصل على جَمْع الشئ أو اجتماعه إلى مُسْتَقر أو مًجْتَمع، فهو يدل على إجتماع عدد من الناس أو بتعبير أدق على وجود جَمْع واحد أو جماعة واحدة من الناس - المُجْتَمِعون جميعاً-في مُسْتَقر أو مُجْتَمَع، أي مكان محدد للاستقرار والاجتماع، وعليه فإن (قَرْية) هي أدق كلمة عربية تتفق في المدلول مع التعبير الإنجليزي (community)، وأصح تعريب للمصطلح الإنجليزي (community medicine) هو (طب القَرْية)، والأدلة اللغوية والقرآنية على صحة هذا ما يلي:

(أولاً) الأصل اللغوي للتعبير (قرية) هو الفعل الثلاثي (قرا):

بإعادة النظر نجد أن أصل (قرية) لغوياً هو الفعل (قرا) أي جَمَعَ، وجميع مشتقات مادة (قَرَا) تفيد في الأصل الجَمْعوالاجتماع إلى مُسْتَقر أو مُجْتَمَع، ومما يدل عليه:

أ‌)   يقال: قَرَى الشيءَ يَقْرِيه قَرياً إِذا جمعه. والقَرْيُ: جَبْيُ الماء في الحوض. وقَرَيتُ الماء(12) وقَرَى الماءَ(11) في الحوض(11، 12) يَقْرِيهِ(11) قَرْياً(11، 12) وقِرًى(12): جَمَعَهُ(11، 12)، والقَرِيُّ، على فَعِيل: مَجْرَى الماءِ في الروض، وقيل: مجرى الماء في الحوض(12). والقَرْوُ: شبه حَوْض شِبه حوضٍ ممْدود مستطيل مثل النهر  إِلى جنب حوض ضَخْم يُفرغ فيه من الحوض الضخم ترده الإِبل والغنم، والقَرْوُ: القَدح، والمِقْراة: شبه حوض ضخم يُقْرَى فيه من البئر ثم يُفرغ في المِقْراة، وجمعها المَقارِي(12).والمَقْرَى والمَقْراةُ(11، 12): كلُّ ما اجْتَمَعَ فيه الماءُ(11) أو الحوض الذي يجتمع فيه الماء،وفي حديث ابن عمر: قام إِلى مَقْرى بستان فقعد يَتَوَضَّأُ(12).

ب‌)   القَيْرَوان: الكثرة من الناس ومعظم الأَمر(12)، وقيل: هو موضع الكَتيبة(12)، وفي الحديث عن مجاهد: إِن الشيطانَ يَغْدُو بقَيْرَوانه إِلى الأَسواق(12، 13).

ت‌)   أَقْرَتِ الناقة تُقْرِي، وهي مُقْرٍ: اجتمع الماء في رحمها واستقرّ، والمِدَّةُ تَقْرِي في الجرح: تَجْتَمع، وفي حديث مُرَّة بن شراحيلَ: أَنه عُوتِبَ في ترك الجمعة فقال إِنَّ بي جُرْحاً يَقْرِي ورُبَّما ارْفَضَّ في إِزاري، أَي يَجْمع المِدَّة ويَنْفَجِرُ(12). والقَرْوةُ: أَنْ يَعظُم جلد البيضتين لريح فيه أَو ماء أَو لنزول الأَمعاء(13). وقَرَتِ النملُ جِرَّتها: جَمَعَتْها في شِدْقها، والبعير يَقْري العَلَف في شِدْقه(12) وقَرَى البعيرُ وكلُّ ما اجْتَرَّ(11، 12): جَمَعَ جِرَّتَهُ في شِدْقِه(11، 12).

ث‌)   القَرا: الظهر وقيل: وسط الظهر، وتثنيته قَرَيان وقرَوان؛ وجمعه أَقْراء وقِرْوانٌ؛ والقِرْوانُ: الظهر، ويجمع قِرْواناتٍ(12). ولعل هذا المدلول مستمد من كون السنام هو مجتمع الظهر في الأبل (الكاتب) حيث يقال: جمل أَقرَى: طويل القَرا، وهو الظهر، والأُنثى قَرْواء. وناقة قَرْواء طويلة السنام؛ ويقال للشديدة الظهر: بيِّنة القَرا(12).

ج‌)قَرَا إِليه قَرْواً: قَصَد. يقال: قَرَوْتُ إِليهم أَقْرُو قَرْواً، وهو القَصْدُ نحو الشيء؛ وقَراه: طعَنه فرمى به؛ وقيل: كأَنه قَصَدَه بين أَصحابه(12).

ح‌)قَرَا الأَمر واقْتَراه: تَتَبَّعَه. يقال: الإِنسان يَقْترِي فلاناً بقوله ويَقْتَرِي سَبيلاً ويَقْرُوه أَي يَتَّبعه(12)، و قَرَوْتُ الأَرض إِذا تَتَبَّعت ناساً بعد ناس فأَنا أَقْرُوها قَرْواً، و استقرى البلاد(12، 13)، وقَرَوْتُ البلاد(11، 12): تَتَبَّعَها بالخروج من أرضٍ إلى أرضٍ(11-13) وسرت فيها تنظر حالهَا وأَمرها(12).

خ‌)   قَرى الضَّيْفَ(11-14) يقريه(13، 14) قِرًى(11، 12)بالكسر(11-14) والقَصْرِ(12-14)، مثال قَلَيْتُه قِلًى(12)، وقَراءً(12-14) بالفتح والمَدِّ(11-14): أضافَهُ(11، 12) وأحسن إليه(12، 13) كاقْتراهُ(11)، واسْتَقْرَيْت فلاناً: سأَلته أَن يَقْرِيَني(12)، ويقال: وهو مِقْرًى للضَّيْفِ ومِقْراءٌ، وهي مِقْراةٌ ومِقْراءٌ(11، 12). و القِرَى أيضا ما قري به الضيف(13) وقِرِّى: مصدر قَرَى، ما يُقَدِّمُ إلى الضيف من طعام(16)، والمِقْراةُ: القصعة التي يُقْرى الضيف فيها(11، 12)، والمَقارِي: الجِفان التي يُقْرَى فيها الأَضْيافُ(12).

د‌)   القِرِّيَّةُ: الحَوْصَلة(12)والمَقارِي: القُبور(11).

(ثانيا) اشتقاق لفظ (قرية):

في التفاسير ورد في شرح سورة الأعراف (الآية:4) أن القَرْيَةُ موضع اجتماع الناس(3) وفي شرح نفس السورة (الآية:94) أنها مجتمع القوم(4)، وورد في معاجم اللغةأن القَرْيَةُ هي المِصْرُ الجامِعُ(11، 12، 15)، وقيل: هي الضيعة(14)، وقيل: كل مكان اتصلت به الأبنية واتُّخِذَ قراراً وتقع على المدن وغيرها(13، 14)، فالقَرْية من المساكن والأَبنية والضِّياع وقد تطلق على المدن(12)، حيث يدخل تحت هذا اللفظ المدينة كما ورد في شرح الآيات الكريمة في سورة الأعراف (الآية:94)(4) و(الآيتين:96 و161)(3)، وذلك لأنها مجتمع الأقوام(4)، أي لاجتماع الناس فيها، من قريت: أي جمعت(3)، وقيل أن القَرْيَةُ تَجمُّعُ سَكَنِيُّ أصغر من المدينة(16)، وفي شرح سورة البقرة (الآية:58) قيل: إن كثروا قيل لها مدينة، وإن قلوا قيل لها قرية، وقيل: أقل العدد الذي تسمى به قرية ثلاثة فما فوقها(7). وفي شرح سورتي الأعراف (الآية:161) والبقرة (الآية:58) قيل أن القَرْيَةُ سميت بذلك لأنها تقرت أي اجتمعت(3)، وورد في شرح الاية الأخيرة أيضاً أن  القَرْيَةُ من قريت: أي جمعت، فهي تجمع الناس على طريق المساكنة(5، 7).

إن محاولة التفريق بين التعبيرين (قَرْية) و(مدينة) تطرقت إلى عدد الأشخاص الذين تم قَرْيهم قَرياً وقَرْية أي جمعهم ليعيشوا معاً في موضع واحد، والجامع في الأصل هو الله جل وعلا، ولا حاجة لإفتراض قيام المكان بالفعل، مثل القول بأن القَرْية هي المِصْرُ الجامِعُ(11، 12، 15)، وقَرْيَةُ النَّمْلِ: مُجْتَمَعُ تُرابِها(11) أي ما تَجمعه من التراب(12)، أو القول بأن القَرْية سميت بذلك لأنها تقرت أي اجتمعت(3)، من قريت: أي جمعت، فهي تجمع الناس على طريق المساكنة(5، 7)، فلو كان المكان هو الفاعل لكان الأصح لغوياً تسمية المكان باسم الفاعل كما يقال: المسجد الجامع، ولوجب تسمية هذا المكان (قاري) أو (قارية) لأنه اسم الفاعل، وليس (قَرْية)، وفي اللغة: القارِيَةُ والقاراةُ: الحاضِرَةُ الجامِعَةُ(11، 12)، والأولى بالقول أن قَرْيَةُ النَّمْلِ (على سبيل المثال): تعنى جَمْع من النمل، والمكان هو في الأساس موضع للإجتماع أو لوجود هذه الجَمَع.من ناحية أخرى ورد في التفاسير أن القَرْية هي مجتمع القوم(4)، أي موضع اجتماع الناس(3)، وبقول آخر فهي اسم مكان، وصياغته من الفعل الثلاثي (قرا) مفتوح العين هي على وزن (مَفْعَل) بفتح العين(16، 17)، ومن المعلوم أن اسم المكان قد تلحق به تأء التأنيث فتصبح صيغته على وزن (مَفْعَلة) للدلالة على إرادة البقعة لا المكان أو كثرة ما فيها من شيء حسيّ مجسم(17)، فالأولى حينئذ تسمية هذا المكان (مَقْرَى) أو (مَقْرَاة)، وفي اللغة: المَقْرَى والمَقْراةُ(11، 12): كلُّ ما اجْتَمَعَ فيه الماءُ(11)، أو الحوض الذي يجتمع فيه الماء، وفي حديث ابن عمر: قام إِلى مَقْرى بستان فقعد يَتَوَضَّأُ(12)، والمَقارِي تعني القُبور(11)، فهي المُسْتَقَر الذي تُجمع إليه أجساد الموتى.

إن لفظ (قَرْية) قد أتى على وزن (فَعْلة)، ويذهب الكاتب -والله تعالى أعلم- إلى أنه مصدر للفعل (قرا) دال على المرَّة، حيث قيل: إن المصدر الأصلي لا يدل بذاته إلا على "المعنى المجرد"، فلا علاقة له –في الغالب- بزمان، ولا مكان، ولا تأنيث، ولا تذكير، ولا علَمية، ولا عدد، ولا هيئة، ولا شئ آخر غير ذلك المعنى المجرد.  لكن من الممكن تناوله ببعض التغيير اليسير والزيادة اللفظية القليلة، فلا يقتصر –بعدهما- على المعنى المجرد، وإنما يدل عليه وعلى شئ آخر معه هو: "المرة الواحدة"، بمعنى: أن المصدر الأصليّ يدل -بعد هذا التغيير، والزيادة اللفظية- على المعنى المجرد مزيداً عليه الدلالة العددية التي تبين الوَحدة، (أي: أنه واحد، لا اثنان، ولا أكثر..)، وفائدة المصدر الدال على "المرة" أنه يدل على شيئين معاً بأوجز لفظ، وأقل كلمات، فإذا أردنا الدلالة على "المَرّة" الواحدة من المصدر الأصلي لفعل ثلاثي فوق دلالته على المعنى المجرد: أتينا بمصدره المشهور (مهما كانت صيغته، ومهما كان وزنه) وجعلناه على وزن "فَعْل" (ولو بحذف أحرفه الزائدة إن اقتضى الأمر هذا) وزدنا في آخره تاء التأنيث فيصير الوزن "فَعْلة"، وهي صيغة المصدر المطلوب الدال على "المرّة" فوق دلالته على المعنى المجرد؛ ولا تتحقق هذه الصيغة إلا بتحقق الأمور الثلاثة السالفة. فللوصول إلى الصيغة الدالة على "المرّة" من المصادر: أخْذ – قعود- فَرَح- جَوَلان وأشباهها، يجب تحقق هذه الأمور الثلاثة فتصير: أخْذة- قَعْدَة- فَرْحة- جَوْلة؛ وهذه المصادر الأصلية تدل هنا على المعنى المجرد، وعلى المرّة معاً، نحو : أخذت من المال أَخْذة – قعدت على الأريكة قَعْدة. والمعنى: أخْذة واحدة – قَعْدة واحدة. ولابد في صياغة "فَعْلة" الدالة على "المرّة" من تحقق شرطين: أن تكون لشئ حسّيّ، صادر من الجوارح الظاهرة والأعضاء الجسمية، وأن يكون ذلك الشئ المحسوس غير ثابت؛ فلا تصح صياغة "فَعْلة" للدلالة على أمر معنوي عقليّ محض، كالذكاء، أو العلم، أو الجهل، أو النبوغ..... ولا تصح صياغتها من الأوصاف الثابتة، كالظَّرْف، والحسن، والملاحة، والقبح، والطول، والقصر(17).وخلاصة القول أن التعبير (قَرْية) يدل في الأصل على جَمْع الشئ أو اجتماعه إلى مُسْتَقر أو مًجْتَمع، فهو يدل على إجتماع عدد من الناس أو بتعبير أدق على وجود جَمْع واحد أو جماعة واحدة من الناس - المُجْتَمِعون جميعاً-في مُسْتَقر أو مُجْتَمَع، أي مكان محدد للاستقرار والاجتماع،أي أنه تم قَرْيهم –أي جمعهم- قَرياً، وكذلك (قَرْية)، وهو اسم مرة يجوز تثنيته أو جمعه بالقول: قريتان، وقُرَى. ومما يدل أيضاً على صحة هذا المذهب ما ورد في اللغة من أن القارِيَةُ والقاراةُ: الحاضِرَةُ الجامِعَةُ(11، 12)، ويقال: أَهل القارِية للحاضرة،وأَهل البادية لأَهل البَدْوِ، وجاءني كل قارٍ وبادٍ، أَي الذي ينزلالقَرْية والبادية(12)، والإشارة إلى أن مقابل (أهل القَرْية) هو (أهل البادية)(2، 3، 5-7)، وكما هو معلوم فإن أهل البادية –وإن كانوا جُمُوعاً قليلة العدد نسبياً في أغلب الأحيان- دائمي الإرتحال إلى حيث يوجد الكلأ والماء.

(ثالثاً) تدبر الآيات الكريمة التي ورد بها التعبير (قَرْية):

إن الالتزام بالقواعد المنهجية عند محاولة تدبر الآيات الكريمة أمر أساسي، ومن قواعد التفسير المقرة وجوب الأخذ بظاهر النص مع عدم جواز التأويل عندما يفيد المعنى ظاهر النص، حيث أن التأويل قولاً على الله تعالى بدون علم قد يأثم قائله، وكذلك أنه لا ينبغي لأحد الاعتقاد بجواز وجود الترادف في ألفاظ الآيات القرآنية الكريمة حيث أن بلاغة القرآن في اختيار اللفظ الذي يناسب المعنى تماماً ولكل لفظ معنى يؤديه ولا يؤديه اللفظ الآخر رغم التشابه، وهو ما ذهب إليه الإمامين بن تيمية(8) ومحمد عبده(9)،ومن الحتمي محاولة مراجعة واستقراء -قدر المستطاع- المدلولات المعنوية الأصلية والصحيحة للألفاظ القرآنية قبل طرح أية دلالة معنوية جديدة للآيات الكريمة، فالقرآن الكريم هو المرجع الأساسي للغة العربية، وهو حجة على معاجم اللغة ولا يحتج عليه، والأمثلة على ذلك كثيرة (19-21، 29-38).

قال الأصفهاني: القَرْية: اسم للموضع الذي يجتمع فيه الناس، وللناس جميعا، ويستعمل في كل واحد منهما، وفي قوله تعالى "وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ" يوسف (82)، قال كثير من المفسرين معناه: أهل القرية، وقال بعضهم: بل القرية ههنا: القوم أنفسـهم ، وعلى هذا قوله " وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً" النحل (112)، وحكي أن بعض القضاة دخل على علي بن الحسين رضي الله عنهما فقال: أخبرني عن قول الله تعالى "وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً" سبأ (18) ما يقول فيه علماؤكم؟ قال: يقولون إنها مكة (المعروف أن المراد بها بلاد الشام)، فقال: وهل رأيت؟ فقلت: ما هي؟ قال: إنما عني الرجال، فقال: فقلت: فأين ذلك في كتاب الله؟ فقال: ألم تسمع قوله تعالى "وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ" الطلاق (8)(10).

وبإعادة تدبر مدلول التعبير (قَرْية) في الآيات الكريمة التي ورد بها هذا التعبير نجد ما يؤيد مذهب الباحث وما أورده الأصفهاني من قبل، فبمراجعة التفاسير نجد أنها قد ذهبت إلى أن (قَرْية) تدل على اسم مكان في بعض الآيات الكريمة، وأقترن هذا بالمجيء إليها، قوله تعالى "وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ" يس (13)، وهي أنطاكية(2-7)،أو بالإتيان، قوله تعالى "وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ " الفرقان (40)، وهي سدوم(2، 4-7) قرية قوم لوط(2، 3، 6)، أو بالمرور عليها، قوله تعالى "أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ" (البقرة:259)، وهي بيت المقدس(2، 6، 7)،أو بالدخول، قوله تعالى "وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ" (البقرة:58)، وهي بيت المقدس(3، 4، 6، 7)،وقوله تعالى "قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا" (النمل:34)، وهي أي قرية من القرى على منهاج المقاتلة والحرب(7)، أو بالسكنى فيها، قوله تعالى "وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ" (الأعراف:161)،وهي بيت المقدس(2، 3، 6، 7)، أو التواجد فيها، قوله تعالى "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ" الأنعام (123)، أي كما جعلنا في مكة جعلنا في كل قرية من سائر القرى(7)، وقوله تعالى "لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ" الحشر (14)، أي قرى محصنة بالحصون(2)، والدروب والخنادق(4، 5، 7)، أو الانتساب إليها، قوله تعالى "وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ" (الزخرف:31)،وهما مكة والطائف(2-7)، أو الخروج منها، قوله تعالى "الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ"  النساء (75)، وهي مكة(2-7)،وقوله تعالى "قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ" النمل (56)، وقوله تعالى "قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ" الأعراف (82)، أي بلدة قوم لوط(7)، وقوله تعالى "لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا" الأعراف (88)، أو السير فيها، قوله تعالى "وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً" سبأ (18)، أي بين بلدهم(2)وهي اليمن(3)  "وَبَيْنَ الْقُرَىالَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا" وهي الشام(2-5، 7). وبالتدقيق نجد أن تحديد المكان لا يتعارض مع المذهب المطروح، بل إنه يمكن القول –والله تعالى أعلم- أن مدلول التعبير (قَرْية) في هذه الآيات الكريمة يتطابق معه، حيث أنه يدل على وجود جَمْع واحد محدد من الناس في مُسْتَقر أو مُجْتَمَع محدد، والمجيء، والإتيان، والمرور، والدخول، والسكنى، والتواجد، والنسبة، والخروج، والسير تتوافق جميعها مع هذا المدلول.

من ناحية أخرى -وبقبول هذا المذهب- نجد أنه لا حاجة للتأويل بالقول بوجود حذف في كثير من الآيات الأخرى(2-7)، وهو الأولى كما تقره قواعد التفسير(8)، حيث أن التعبير (قَرْية) في هذه الآيات يدل بصفة مباشرة على جَمْع واحد محدد من الناس في مُسْتَقر أو مُجْتَمَع محدد، جَمْع من الناس، مع شمولية الأمر لهذا الجمع، وقد أقترن هذا التعبير في الآيات الكريمة بأمور عديدة، وهي شدة القرية والإخراج، قوله تعالى "وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ" محمد (13)، وسؤال القرية، قوله تعالى "وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ" يوسف (82)، وعمل الخبائث، قوله تعالى "وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ" الأنبياء (74)، وإرسال الرسل إليها، قوله تعالى "وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ" الأعراف (94)، وكذلك في آيات أخرى (الفرقان:51، وسبأ:34، والزخرف:23))، والإعلام بأنبائها، قوله تعالى "تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا"  الأعراف (101)، وقوله تعالى "ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ" هود (100)، والإهلاك، قوله تعالى "ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ" الأنعام (131)، وكذلك في آيات كريمة كثيرة (الأعراف:4، وهود:117، والحجر:4، والإسراء:16 و58، والأنبياء:95، والشعراء:208، والأحقاف:27)، وظلم القرية مع إهلاكها أو قصمها أو أخذها، قوله تعالى "وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى" هود (102)، وقوله تعالى "وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا" الكهف (59)، وقوله تعالى "وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً" الأنبياء (11)، وكذلك في سورة الحج (45 و48) ، وبطر المعيشة والعتو، قوله تعالى "وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا" القصص (58)، وقوله تعالى "وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ" الطلاق (8)، والإيمان، قوله تعالى "فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ" يونس (98)، وقوله تعالى "مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ" الأنبياء (6)، والأمن والإطمئنان وإتيان الرزقوالكفر وذوق العذاب، قوله تعالى "وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ" النحل (112)، وحضورها البحر، قوله تعالى "واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ" الأعراف (163)، وإنذار أم القرى وإرسال رسول فيها، قوله تعالى "وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا" الأنعام (92)، وقوله تعالى "وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا" القصص (59)، وقوله تعالى "لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا" الشورى (7).

(رابعاً) ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية:

في أشهر ترجمة لمعاني القرآن الكريم نجد أن تعبيرات إنجليزية عديدة قد استخدمت في ترجمة المصطلح العربي (قَرْية)، ومنها ما يدل على المكان، مثل (country) (النمل:34)، و(hamlet) (البقرة:259)، و(town) (البقرة:58، والنساء:4، والأنعام:123، والأعراف:4 و94 و96 و97 و101 و161 و163، ويوسف:82، والكهف:77، والأنبياء:74، والفرقان:40)، و(township) (يونس:98، والعنكبوت:31، والحشر:7 و14)، و(men's habitations) (الأنعام:131)، و(human habitations) (يوسف:109)، و(city) (الأنعام:92، والأعراف:82 و88، والنحل:112، والنمل:56، وسبأ:18، ويس:36، والشورى:7، والزخرف:31، ومحمد:13)، ومنها ما يدل على جَمْع من الناس مثل (people) (الزخرف:23)، و(population) (الإسراء:16 و58، والكهف: 59، والأنبياء: 6 و11 و95، والحج:45 و48، والفرقان:51، والشعراء:208، والقصص:58 و59، وسبأ:34، والأحقاف:27، والطلاق:8)، ومنها أيضاً التعبير (community) (هود:100 و102 و107)(39)، والتعبير الأخير هو موضع هذه الدراسة، وهو ما يعضد مذهب الباحث. وبوضع ما سبق ذكره من أن هذا التعبير الإنجليزي يدل على جَمْع أو جماعة من الناس وموطن هذه الجماعة(26-28)، وما سبق التدليل عليه من أن التعبير العربي (قَرْية) له نفس المدلول، يذهب الباحث -والله تعالى أعلم- إلى أنه من الأولى توحيد ترجمة التعبير (قَرْية) باستخدام التعبير (community)، مع إضافة التعبير (habitation) له بين قوسين في حال بيان أن التعبير القرآني (قَرْية) يدل على مكان محدد وفقاً لما ورد في شروح الآيات الكريمة.

الخاتمة:من المعروف أن دلائل المصطلحات قد تتغير مع مرور الزمن ومنها على سيبل المثال ما أوضحه البحث الحالي من تقييد لدلائل "قرية" وإطلاق لدلائل "مجتمع" في المعاجم اللغوية الحديثة وفي لغتنا الشائعة اليوم، ونتيجة لترسخ هذه المفاهيم المستحدثة تبدوالدعوة إلى إحلال المصطلح الحالي (طب المجتمع) بالمصطلح الأصح (طب القرية) غير منطقية حيث أنها قد تفشل لعدم وجود تأييداً لها مما يعوق انتشارها، ولكن قد تجدر الإشارة إلى هذا المصطلح المقترح (بجوار المصطلح الشائع) في المراجع العربية والندوات والمؤتمرات التي تتناول ما أصطلح عليه بـ (طب المجتمع) لما ينطوي عليه هذا من نشر الحرص على نقاء اللغة العربية، وتحريك الفكر والنظر، ودعوة شباب الأطباء إلى دقة الترجمة والحرص على استحداث وإشاعة المصطلح العربي الأكثر دقة لما يعرض لهم من مصطلحات جديدة في مجال التخصص.

إن قضية المصطلح تقع في قلب الحركة الفكرية لأية أمة، وقد أوضح هذا البحث وغيره مما سبق (19-21، 29-38) مدى أهمية محاولة استقراء المدلول الأصلي للألفاظ بالرجوع إلى المصادر الأصلية للغة العربية، وفي مقدمتها القرآن الكريم، وأن هذا يسهم بحيوية في إثراء وترسيخ عملية التعريب خلال مد جسور -يعسر فصهما- بين تراثنا وحاضرنا، وهو أمر حيوي للمحافظة على الهوية في عصر العولمة،قال تعالى "إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" الزخرف(3)، هذا والله تعالى أعلم، والله من وراء القصد

المراجع:

(1) القرآن الكريم.

(2) أبو جعفر بن محمد بن جرير الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن. مطبعة مصطفى بابي الحلبي وأولاده، القاهرة، مصر.

(3) أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي: تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن الكريم. دار الريان للتراث، القاهرة، مصر.

(4) فخر الدين الرازي أبو عبد الله محمد بن عمر بن حسين القرشي: التفسير الكبير للإمام الفخر الرازي. دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.

(5)عبد الله محمد بن يوسف الأندلسي: البحر المحيط. مطبعة النصر الحديثة، الرياض، المملكة العربية السعودية.

(6) أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي: تفسير القرآن العظيم. دار التراث العربي، القاهرة، مصر.

(7) أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادي: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني. دار الفكر، بيروت، لبنان.

(8) تقي الدين أحمد بن تيمية: مقدمة في أصول التفسير. مكتبة الحياة، بيروت، لبنان، بدون تاريخ، ص. 17.

(9) عبد المتعال محمد الجبري: المصطلحات الأربعة بين الإمامين المودودي و محمد عبده {الدين-  العبادة- الرب-الألوهية}. دار الاعتصام، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى 1395 هـ- 1975م، ص.  108-109.

(10) أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني: المفردات في غريب القرآن. كتاب الجمهورية، دار التحرير للطباعة والنشر، القاهرة، مصر، 1991م.

(11) مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي الشيرازي: القاموس المحيط. عالم الكتب، بيروت، لبنان.

(12) أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور الأفريقي المصري: لسان العرب. دار صادر، بيروت، لبنان، 1410 هـ-1990م.

(13) محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي: مختار الصحاح. مكتبة لبنان، بيروت، لبنان، 1989م

(14) أحمد بن محمد بن على الفيوميّ المقري: المصباح المنير. مكتبة لبنان، بيروت، لبنان، 1990م.

(15) إبراهيم مدكور وآخرين: المعجم الوسيط. مجمع اللغة العربية،مطابع الدار الهندسية، القاهرة، مصر، الطبعة الثالثة، 1405هـ - 1985م. ، ص. 140-141.

(16) أحمد العايد وآخرون: المعجم العربي الأساسي. المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في تونس، لاروس، 1408هـ-1988م، ص. 15، 26، 27، 260-263.

(17) عباس حسن: النحو الوافي. دار المعارف، القاهرة، الطبعة الثالثة عشر، 1999م، الجزء الثالث: المسألة 100: المصدر الدّال على المَرَّة، والدّال على الهيئة. ص. 225-230، و المسألة 106: اسم الزمان واسم المكان. ص. 318-332 .

(18) زهير أحمد السباعي وماجد عثمان: دفاع عن تعليم الطب باللغة العربية. مجلة طب الأسرة والمجتمع 1994، 1(1):3-9.

(19) كريم حسنين: تعريب الطب ونظرة إلى الجذور (1): (العُقم) و(العُقر). مجلة طب الأسرة والمجتمع1999م، 6(2):17-26.

(20) كريم حسنين: تعريب الطب ونظرة إلى الجذور(2): (المشيج) و(الأمشاج). مجلة طب الأسرة والمجتمع2000م، 7(1):9-17.

(21) كريم حسنين: تعريب الطب ونظرة إلى الجذور (3): (الفَرْث) و(الإنفراث). مجلة طب الأسرة والمجتمع  2001م، 8(2):11-24.

(22) Hanlon JJ, Pickett GE. Public Health. The C. V. Mosby Company, St. Louis, USA, 1979, Seventh Edition, Chap.1 (Philosophy and Purpose of Public Health), pp.2-12.

(23) Clark DW. A vocabulary for preventive and community medicine. In: DW Clark and B MacMahon (eds.) Preventive and Community Medicine. Little, Brown and Company, Boston, USA, Second Edition, 1981, Chap 1 pp. 3-15.

(24) Green LW, Anderson CL. Community Health. The C.V. Mosby Company, St. Louis, USA, 1982, Fourth Edition, Chap. 1( Through The Centuries), pp.3-21.

(25)         Kark SL. From medicine in the community to community medicine. JAMA   1974; 228:1585. (Quoted from Clark D W, 1981)

(26) منير البعلبكي: قاموس  المورد: قاموس إنكليزي-عربي. درا العلم للملايين، بيروت، الطبعة الثانية عشرة، 1978،: ص. 199، 874.

(27) The American Heritage Dictionary of the English Language.  Houghton Mufflin, Boston, USA, Third Edition.  1992, p. 353.

(28) Webster's Third New International Dictionary of The English Language Unabridged. Encyclopaedia Britannica, Chicago, USA, 1971, Volume I, p. 460.

(29) كريم حسنين: محاولة لفهم وبيان أوجه الإعجاز في قوله تعالى  "مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ": دراسة علمية موضوعية جديدة".مجلة طب الأسرة والمجتمع1995م، 2(1):79-84.

(30) كريم حسنين: "دورة حياة الإنسان بين العلم والقرآن". نهضة مصر - القاهرة - الطبعة الأولى 2000م.

(31) Abd-El-Maeboud KH: The Age of Viability: an Islamic Perspective. A paper in: EV Cosmi (ed): The Proceeding of The XVI International Congress "The Fetus as a Patient", Fiuggi ( Rome), Italy, April 2-5, 2000. Published by Monduzzi Editore, Bologna, Italy.

(32) Abd-El-Maeboud KH, Kurjak A, Buljan-Culej J. The Embryo: An Islamic Perspective. Gynaecol Perinatol 2000, 9(4):133-7.

(33) Abd-El-Maeboud KH, Kurjak A, Buljan-Culej J. Human Life Cycle: An Islamic Perspective. Gynaecol Perinatol 2001, 10(1):31-4.

(34) كريم حسنين: "الخلق بين العنكبوتية الداروينية والحقيقة القرآنية". نهضة مصر - القاهرة- الطبعة الأولى 2001م.

(35) Abd-El-Maeboud KHI. The Holy Qur'an and Xenotransplantation: Look at the Ears. Journal of the Egyptian Society of Obstetrics and Gynaecology 2002, 28(4-6):579-608.

(36) كريم حسنين: الخنازير قادمون: الهندسة الوراثية ونقل الأعضاء الحيوانية بين العلم والقرآن. نهضة مصر، القاهرة، جمهورية مصر العربية، الطبعة الأولى، 2002م.

(37) Abd-El-Maeboud KH, Saleh RS. The uterus in Domestic Animals: A Qur'anic Perspective.  Alex. J. Vet. Science 2003, 19 (1): 151-7.

(38) موقع للكاتب على شكبة الإنترنت وهو: www.readandthink.com

(39) Abdullah Yusuf Ali. THE HOLY QUR`AN Text, Translation and Commentary. Amana Corporation, Brentwood, Maryland, U.S.A., 1409 A.H. / 1989 A.C.



2008-03-23