جهود الغرب في تحجيم البذل التطوعي الإسلامي؛ لماذا؟


جهود الغرب في تحجيم البذل التطوعي الإسلامي؛ لماذا؟

بقلم الشيخ الدكتور/ صالح بن عبدالرحمن الحصين *

رئيس مجلس إدراة "مداد"

في تحليل ألبرت آينشتاين لأزمة الرجل المعاصر اللاديني قال"إن محور الأزمةيتعلق بالصلة بين الفرد والجماعة، إن موقف الفرد من الجماعة يحمله على تضخيم دوافعه الفردية في حين أن دوافعه الاجتماعية - وهي بالطبع أضعف -تتدهور شيئاً فشيئاً ... إن الناس يحسون وهم سجناء أنانيتهم من حيث لا يعلمون -أنهم يعيشون في قلق وعزلة محرومين من الاستمتاع بالحياة الاجتماعية ... والواقع أن الإنسان لا يستطيع أن يجد لحياته -بالرغم من قصرها -معنى إلا إذا أعطى من نفسه للمجتمع".

عندما أسس فكتور فرانكل مدرسة فينا الثالثة للعلاج النفسي، بعد مدرستي فرويد وأدلر، قامت هذه المدرسة على أساس نظرية فرانكل في الدافع الأساسي للسلوك البشري، هذا الدافع عند فرانكل يختلف عن الدافع عند فرويد (الرغبة في اللذة) أو عند أدلر (الرغبة في القوة)، فهو عند فرانكل (الرغبة في أن يكون للحياة معنىTo find a meaning of life)فهو لا يرى (اللذة) الهدف الدافع للسلوك بل نتيجة تحقيقه، كما لا يرى (القوة) الغاية من السلوك بل الوسيلة إليه، ويرى أن المجتمع يتحول إلىالحالة المرضيةحينما تكون للذة والقوة الغلبة، فيصل المجتمع إلى حالة (الفراغ الوجوديExistential Vacuum)، ويرى أن للإنسان أبعادا ثلاثة: الجسم والعقل والوجدان (مبعث النزوع الخلقيSpirit) وأنالبعد الأخير هو الذي يجعل الإنسانقادراً على امتلاك معنى الحياة، ومن ثم يمكنه من تجاوز الرغبات الغريزية إلى مرحلة (التسامي النفسيSelf-transcendence) وأن وجود الشخص معنى للحياة يتطلب لا محالة تجاوز الإنحباس في ذاته إلى الانعتاق خارجها، وبقدر ما يبذل من نفسهويعطى منها لغيره أو لقضية ما بقدر ما يحقق ذاته.

وكما يقول أحد علماء النفس: "أن الفرد يمكن أن يحققActualizeالعوامل الخلاقة في شخصيته فقط من خلال العالم الخارجي، أي من خلال أن يبذل شيئاً ما من نفسه للناس".

إن أهمية نظرية فرانكل تظهر في قوة المنطق الذي تستند إليه، وفي سهولة الإستدلال عليها من واقع الحياة، وفي استعصائها على النقد الموجه لنظريات التحليل النفسي الأخرى.

ما فتئ الخبراء منذ العقود الماضية يبدون عدم اقتناعهم بكفاية "دخل الفرد"معياراً للتقدم الحضاري، ولذلك راحوا يبحثون عن معايير أكثر دقة وصدقاً، فاتجهواإلى المعيار "الإنساني" الذي يعني أنه كلما كانت البلد أنصع سجلاً في حماية حقوق الإنسان، وأكثر اهتماماً بالمصلحة العامة "والبذل التطوعي" كلما وجب اعتبارها أكثر تقدماً في السلّم الحضاري، ولذا اعتبروا السويد البلد الاكثر تقدما و رُقِيّا في أوربا.

ومصداق هذا المعيار، لو أخذنا الولايات المتحدة الأمريكية أنموذجاً لوجدنا الإحصاءات تشيرإلى أن نصيب كل 200 فرد من السكان مؤسسة واحدة غير ربحية، وأنهوفق التقديرات الأمريكية الرسميةلعام 2010فإن من بين كل أربعةمن السكان في الولايات المتحدة يبذل واحد منهم فترة من عمره في البذل التطوعي، وأن مجموع ساعات العمل التطوعي للمواطنين الأمريكيين تزيد على 8 بليون ساعة عمل، وتظهر بعض الإحصاءات الأخرىأن دخل منظمات النفع العام في أمريكا لعام 2010 بلغ 1.5 تريليون دولار أي ما يعادل 10% من الدخل القومي لأمريكا، وأن المنظمات الدينية تحصل على ما يزيد على 35% من مساهمة المواطنين لمنظمات النفع العام، وجزء كبير من هذه المبالغ تصرف على الدعوة في الخارج (التنصير).

****

مغزى ما تقدمأن "البذل التطوعي" بوصفهحاجة أساسيةللإنسان ليس فقط فكرة فلسفية بل هو حقيقة علميةScientificتتجلى في السلوك الإنساني في كل زمانومكان، هذا يعني أن "البذل التطوعي" ليس فقط من حقوق الإنسان بل منأولويات هذه الحقوق، وذلك يعني أن أي تحديد لحرية الإنسان في ممارسة هذا الحق، وأي حد من إمكانياته في تحقيق ذلك لايشكل مجرد انتهاك لحرية الإنسان الشخصية، بل انتهاكاً لحق أساسي من حقوقه.

وفيما يتعلق بالإنسان المسلم، فليس الأمر قاصرا على ذلك بل نعرف أنه عندما يريد العالم المسلم أن يعبر في كلمات موجزة عن "الإسلام" يقول مثل ما يقول الإمام ابن تيمية: "الدين كله يدور على الإخلاص للحق ورحمة الخلق"، أو كما يقول الإمام الرازي: "مجامع الطاعات: تعظيم أمر الله، والشفقة على خلق الله"، أو كما يقول الإمام الهروي عن البدايات في علم التصوف: "إقامة أمر الله وتعظيم نهيه، والشفقة على العالم".

وفي القرآن الكريم تواجهنا مثل هذه الصورة الرائعة:

[وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ].

ويقول سيد قطب في ظلال القرآن عند تفسيره الجملة الأخيرة من الآية الكريمة:"فهذا الشح شح النفس هو المعوق عن كل خير، لأن الخير بذل في صورة من الصور: بذل في المال وبذل في العاطفة وبذل في الجهد وبذل في الحياة عند الاقتضاء، وما يمكن أن يصنع الخير شحيح يهم دائماً أن يأخذ ولا يهم مرة أن يعطي، ومن يوق شح نفسه فقد وقى هذا المعوق عن الخير فانطلق إليه معطيا باذلاً كريماً".

ما تقدم في الفقرة السابقة، وفي هذه الفقرة، يوضح مدىتجذر"البذل التطوعي" فيشخصية الإنسان المسلم.

ولعل من أهم آثار "أن يكون البذل التطوعي مكونا مهما من مكونات شخصية المسلم" أن الحضارة الإسلامية قامت على أساس "البذل التطوعي" وقد أكسبها ذلك خصائصها التي انفردت بها عن الحضارات الأخرى ومن أهمها:

‌أ.أنها حضارة شعبية بمعنى أنها ليست كغيرها من الحضارات من صنع الأباطرة والملوك أو القوى العسكرية والسياسية، وإنما كانت تقوم كلية -تقريبا -على "البذلالتطوعي" من جمهور المسلمين.

‌ب.أنها حضارة إنسانية لأن الدافع لمنجزاتها دائما قصد البر والتقوى سواء في مواجهة الإنسان أو الحيوان أو البيئة.

‌ج.إنها نتيجة للأمرين كانت دائما تستعصي على الظروف المتغيرة من أن تكون عاملا لانهيارها، فالتقلبات السياسية، والحروب واكتساح الغزاة للعالم الإسلامي من الصليبيين والتتار، كل هذه العوامل لم يترتب عليها انهيار الحضارة، بل ظلت باقية مستمرة العطاء.

عندما أغار المستعمرون على العالم الإسلامي، كانوا يعرفون أن قوته الحقيقية تكمن في قوته المعنوية (الإسلام)، فتوجهوا إلى إضعافها بوسائل مختلفة، ولما كان معروفاً دور النظام الوقفي ونظام الإرصاد في وجود القوة المعنوية، وكانوا يعرفون أن هذا النظام اكتسب قوته من تشدد الفقهاء، في الحكم بعدم قابلية الأصول الوقفية للتصرفوبأن شرط الواقف الصحيح مثل حكم الشارع، وضمان ذلك بعدم إعطاء فرصة للإدارة التنفيذية بالتدخل في هذا النظام بحصر الولاية على الأوقاف في جهاز القضاء.

فكان الخط الأساسي للاستعمار هو تمكين الإدارة التنفيذية من التدخل في النظام الوقفي بحجة الحاجة للتنظيم ومواجهة الحاجات المستجدة، وخلفت الحكومات العلمانية الاستعمار في هذا الاتجاه، حتى أدت بمثل مصر إلى تأميم الأوقاف بإنشاء مؤسسة عامة يشمل سلطانها كل الأوقاف في مصر (عدا أوقاف الأقباط وعدا الأوقاف التي يوقفها صاحبها بشرط النظارة لنفسه وذلك مدة حياته فقط).

ويعطى القانون المؤسسة العامة بعد ذلك السلطة التقديرية فيما يتعلق بالتصرف في الوقف، وفي تعديل شروط الواقف.

كما اتخذ الاستعمار في سعيه لإضعاف القوة المعنوية للعالم الإسلامي نشر فوضى فكرية للتشويش على التصورات والقيم الإسلامية وتشجيع الدعوة الدينية المضادة ( التنصير)فكان من الملاحظ أنالفرنسيين الذين يعارضون اليسوعيين في فرنسا يشجعون نشاطهم في بلدان العالم الإسلامي الواقعة تحت سلطانهم، وكان من الملاحظ أن سفارات البلدان الغربية المتنافسة والمتضادة المصالح تجتمع على تشجيع وسائل الغزو الفكري بالصورتين المشار إليهما آنفاً.

في عقيدة المسلم، أن أي جهد يبذل للنفع العام مع الإخلاص هو من سبيل الله، وإن الصد عن سبيل الله بأي وجه يستحق ما وصفه الله به في القرآن، وتوعد عليه، ففي سورة الفجر والماعون نعى على من لا يحض على طعام المسكين فكيف بمن يعوق إطعامه، لقد أوضح القرآن أن منع الإنسان من العبادة الخاصة النفع به من أشنع الظلم، فكيف بمنع العبادة التي يتعدى نفعها إلى الغير.

وعندما يغفل أهل بلد عن هذا الجانب فلا يُقْدر قدره، فقد يغفلون أيضا عن آثار هذا الوضع المدمرة على أمن المجتمع واستقراره وسلامته، ليس الأمر قاصرا على تعويق مواجهة الحاجات الأساسية للبشر من طعام وغذاء وإيواء وتعليم وتهيئة للعيش الكريم، بل حرمان الناسولاسيما شبابهم الذين تملأ قلوبهم ومخيلاتهم الأشواق إلى المثل العليا والإرضاء النفسي بالبذل للغير حرمانهم من المجالات النافعة السليمة، فيدفعهم الإحساس بالفراغExistential Vacuum، والحرمان من البذل للغير، والحاجة النفسية الملحة لملئه، إلى مجالات قد لا تكون نافعة ولا سليمة.

****

مغزى ما تقدم، أن البذل التطوعي في سبيل النفع العام في جانب الإنسان المسلمليس فقطوسيلة للإرضاء النفسي ومن ثم تلبية لحاجة طبيعية للإنسان السوي بل هوعبادة وشوقإلى رضى اللهوتلبية لنداء ملح من الضمير والوجدان.

هذا يعني أن أي تحديد لفرصة الإنسانالمسلم في ممارسة البذل التطوعي للنفع العاملن يكون فقطمجرد انتهاك للحرية الشخصية والمدنية بل انتهاكا لحق الإنسان فيحرية العبادة،وحرية الضمير.

****

المقصود من ايراد ما سبق، هو التقييم الصحيح لجهود الغرب الجادة في تحجيم البذل التطوعي في العالم الإسلامي، ومن أبرز مظاهر ذلك جهوده في تحجيم النشاط الخيري لبلدان الخليج في الخارج،ونشاط الغرب الدعائي المحموم في هذا السبيل:

‌أ.فور غياب "الشيوعية" عدو الرأسمالية "الأحمر"، رشح الغرب "الإسلام" عدوا بديلا وسماه "العدو الأخضر" (كان أول تصريح معلن بذلك الترشيح قد صدر عن الأمين العام لحلف الأطلسي) ومنذ ذلك الوقت بدأت التهيئة لحرب باردة بديلة "الرأسمالية الغربية" في مواجهة "الإسلام "، وبرز من وقت مبكر من مظاهر هذه الحرب قرن الإسلام بـ "الأصولية"و"العنف"، ففي النصف الأول من العقد الأخير للقرن المنصرم كانت أوروبا كلها تشاهد فيلم "الإرهاب في سبيل الله" وكانت أمريكا تشاهد الفيلم الوثائقي "الجهاد في أمريكا".

ومن الحقائق أن التخطيط الغربي الذي كانت إجراءاته تنشط على قدم وساق لتنصير مجتمعات إسلامية معينة، قد واجه معوقاً جديا لانتشارالتنصير من قبل بعض المؤسسات الخيرية الخليجية، فكان من الطبيعي أن تتصدى القوى الامبريالية لإضعاف هذا المعوق أو إزالته.

وأعترف تقرير "لجنة التحقيق الأمريكية في حدث11 سبتمبر" صراحةً بأنالمؤسسات الخيرية السعودية وضعت تحت المجهر (أو المجاهر) الإستخبارية الغربية منذ عام 1995.

وأنه منذ ذلك الوقت وجدت الضغوط الدبلوماسية على المملكة العربية السعودية، كمثال، لتحجيم مؤسساتها الخيرية العاملة في خارج المملكة، ويعترف التقرير صراحة بأن هذهالضغوط لمتثمر بسببأنه في كل مرة تطلب المملكة معلومات تبرر الاستجابة لهذه الضغوطيفشلجانب الضغط في تقديم المعلومات المطلوبة، وذلك حتى تاريخ التفجيرات الإرهابية في الرياض في مايو 2003، ويسمي التقرير صراحة هذا الحدث بأنه "تغيير الزاوية"، ويعني تغير اتجاه المملكة العربية السعودية تجاه الضغوط المشار إليها، أي أنالسبب هو الحدثالمشار إليه،وليس معلوماتمكتشفة تبرر الإجراءات اللاحقة، بل يظهر من التقرير أن معلومات كتلك لم تقدم قط.

واللافت للنظر أن التصريحات الصادرة عن السياسيين الغربيين لا تخفي اغتباطهم - بهذا الحدث المشئوم الذي وقع في مايو 2003- وهواغتباط يبعث على الريبة واالتساؤل هل هذا الحدث المشئوم مجرد ضربة حظللمستفيد الوحيدمنه– أي الغرب - في حربه الايدولوجية ضد الاسلام؟

‌ب.بعد الانتصار السهل السريع على الجيش العراقي في عام 2003 وترشيح المملكة العربية السعوديةلتكون حلقةفي سلسلة التغيير المخطط للشرق الأوسط، بدأت الإدارة الأمريكية نشاطا محموماً لإقناع الرأي العام المحلي والدولي بأن المملكة العربية السعودية بـ "أصوليتها" ومؤسساتها الخيريةخطر على "السلام العالمي"إذ تمثل بيئة صالحة لإنتاج الإرهاب وأعمال العنف .

ولم يقتصر الأمر على تسخير الإعلام لهذا الغرض بل اهتمت الإدارة الأمريكية بإشغال لجان الكونجرس بالاستماع لشهود من داخل الإدارة الأمريكية ومن خارجها لإقناع الكونجرس برياح الخطر على "السلام العالمي" التي تهب من المملكة العربية السعودية.

ويبرزملفالشهادات الخاص بالمؤسسات الخيرية السعودية تلك الشهادات التي قدمت أمام اللجنة البنكية للكونجرس في 25سبتمبر 2003نموذجالهذا النشاط المحموموعند قراءة كامل الملف واستيعاب الشهادات المقدمة يلاحظ القارىء بدهشة أن الشهادات كانتقاصرة على الشحن العاطفيوالتعبير الخطابيولم تقدم معلوماتمحددةأو أدلة على الاتهامات الموجهة .

كان التركيز في الشهادات أمام اللجنة المذكورة على دور المؤسسات الخيرية السعودية في دعم الإرهاب، ولم تقدم أي معلومة محددة عن صلة هذه المؤسسات بالإرهاب عداً قضيتين:

الأولى: أن أحد رجال المقاومة الفلسطينية حضر في مؤتمر عقدته ندوة الشباب الإسلامي العالمي في المنطقة الشرقية بالمملكة.

والثانية: أن المملكة العربية السعودية وافقت على تصنيف مكتبي الصومال والبوسنة والهرسك التابعين لمؤسسة الحرمين الخيرية جهتين داعمتين للإرهاب.

ولحق بذلك طلب أمريكا في مؤتمر صحفي، شهده العالم بالصوت والصورة، (وشارك فيه مع الأسف أحد أبناء الوطن) من الجهة المختصة في منظمة الأمم المتحدة تصنيف مكاتب خيرية أخرى، داعمة للإرهاب

مع أن الأصل أن هيئة الأمم المتحدة اختصاصها الفصل بين الدول في نزاعاتها وليس اختصاصها الفصل بينالدول والأفرادأو الهيئات غير الدولية.

فإن الهيئة الدولية عندما تستجيب لاتهام دولة ما فرداً أو هيئة خاصة بارتكاب جريمة، ثم تحكم الهيئة على المتهم بالإدانة وتوقع عليه العقاب،ليس فقطدون أن يكون ذلك نتيجة محاكمة قضائية عادلة، وإنماحتى دون أن يسمعدفاع المتهم أو أن تتم مواجهته بالإتهام أو أدلته، إنها بذلك تسجل خرقاً مشئومالأبسط مبادئالعدالةكما تفهم في كل زمان ومكان.

يبقى الأمرالمزعجلأي شخص مهتم بحقوق الإنسان أن الإدارة الأمريكية وهيتكشف دورهافي هذا الموقف المشين،مغتبطةبه، لم تبالبالتناقض الصارخبين هذا الموقف وبين ما يرتفع به ضجيجها عن: الحرية، والعدل،ودولة القانون، وحقوق الإنسان، كما لم تبال بخزي الهزيمة الأخلاقية التي تجللها وهي تدمر ظلما وعدوانا بناء إنسانيا خيريا عالميا بنته المؤسسات الخيرية الإسلامية، ولقد وصف تقرير لجنة التحقيق في حادث 11 سبتمبر، أحد المؤسسات الخيرية السعودية بأنها ".... في ذروة نشاطها كانت توجد في خمسين بلداً على الأقل تتكفل بثلاثة آلاف معلم يتنقلون إلى مواقع مختلفة لتعليم الناس الخير ونهيهم عن الشر، وتقدم الغذاء والمساعدات للمسلمين المحتاجين في جميع أنحاء العالم، وتقوم بتوزيع الكتب، وتنفق الأموال لمشاريع تأمين المياه الصالحة للشرب، وتعمل على إنشاء وتجهيز العيادات الطبية وتدير أكثر من عشرين مركزاً لرعاية الأيتام.

حينما أشار التقرير إلى مراكز رعاية الأيتام التي كانت تضم أكثر من ثلاثين ألف يتيم لم يشر إلى أن عدداً كبيراً من هؤلاء الأطفال بعد أن شردوا من مأواهم لم يكن لهم من ملجأ إلا إلى تنظيمات أمراء الحروبلتجنيد الأطفالفي حروب أفريقيا.

أليس من حقنا عند تقييم الحرب الدعائية الغربية ضد البذل التطوعي الاسلامي أن نصفه بأنه: ليس مجرد انتهاك لحرية شخصية للإنسان بلانتهاك لحق من حقوقه الأساسية ولحريته في العبادة.

مع الأسف الشديد فإن بعض الكتابات في الصحف المحلية (وبعض التوجهات داخل الإعلام المحلي)في بلدان الخليج ساهمت -غير مشكورة- في هذا السلوك الظالم وذلكبالإلحاح على تشويهالمؤسسات الخيريةوإثارة الغبار حول نشاطها، والتحريض عليها إما من قبل قلة من الإعلاميين من المتصحفين الأغرار الذي جمعوا بين الجهل والطيش وإنعدام الإحساس بالمسئولية، أو من قبلقلةمن الأكاديميين والمتأكدمين، ولكن هذه القلة مع الأسف مرتفعة الضجيجمثيرة للإهتمام، وتنطلق من رؤية عامةمتحيزة ضد التدينوالمتدينين وهي إذ تكثر الحديث عن الديمقراطية، والمشاركة في صنع القرار السياسي، وحرية الرأي والتعبير، وحقوق الإنسان، تتنكر للحرية الشخصيةإذا بدا أن لها علاقةبالتدين والمتدينين، هي مع الأسف تنطلق من نزعةعدميةإذ تهدم وليس لديها بديل تقدمه، والأساس في هذا كله ضعف النزوع الأخلاقي - في الأبعاد الثلاثية للإنسان عند فرانكل -لديها، وهشاشة الإيمان بمبدأ ثابت، وقد نشأ ذلك عن عجز هؤلاء عن الإنعتاق من فقر القلب ومرضه ومن الأنانية والنرجسية والتعالي وبطر الحق وغمط الناس ومن العجز عن الانفتاح على العالم خارج الذات بكرم وسماحة.

وتبرز هذه الصورة ظاهرة على السطح عندما تحل ساعة الاختبار فمثلا عند غزو صدام الكويت كان هم أمثال هؤلاء من كتّاب الصحافة في الكويت اللجوء -فرارا- إلى فنادق القاهرة وغيرها وممارسة السلوكيات التي لا تزال ذكراها عالقة في الأذهان، وفي المقابل وقف الأشخاص الباذلون المتطوعون، والذين كانوا يعيرون بالأممية وضعف الوطنية، وقفوا مع الشعب يقاومون سلبيات الاحتلال على الحياة العامة للناس ويخففون معاناتهم من آثاره، وحينما انهارت الخدمات المدنية الرسمية قدموا البديل من جهودهم التطوعية فقاموا مثلا بجمع القمامة وشغلوا المخابز وحاولوا أن تبقى ظروف الحياة الطبيعية للجمهور على أقصى مستوى ممكن.

والعجب أنه بعد تحرير الكويت ورجوع أولئك إلى الوطن لم يبد عليهم الشعور بالخزي والخجل بعد أن سقطت عنهم ثياب الإمبراطور، وإنما عادوا إلى شنشنتهم السابقة منتحيز ضد الخير والجهود المبذولة فيهفصدقت عليهم الآيات الكريمة:

[وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۚ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا ] ،[أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا].

وفي وطننا الجبيب، كمثال، وجد فيالإعلام الداخلي مع الأسف أبلغ مساند للضغط الخارجيفي جهدهاللا أخلاقيلتحجيم ( البذل التطوعي) في المملكة، وأنتج أسوأ الآثار حيث تقاعست المؤسسات الخيرية في مملكة الإنسانية عن أي نشاط تطوعي دعوي أو إغاثي خارج البلاد، واتخذت إحدى هذه المؤسسات شعاراً (الأقربون أولى بالمعروف) وهذه العبارة صحيحة حين تكون الحاجات متساوية بين الأقربين والأقل قربا، أما حين تكون حاجات الأقل قربا حاجة أساسية (حاجة حياة أو موت) وحاجات الأقربين ثانوية فليس الأقربون في هذه الحالة أولى بالمعروف.

****

إن الحرب الإعلامية من الغرب ضد البذل التطوعي الاسلامي، ومساندة بعض الكتابات في الصحف المحلية وبعض التوجهات داخل الإعلام المحلي، المشار إليها أعلاه، كان لها الأثر الكبير في توجيه الرأي العام في المجتمع ولما كان الموظفون الرسميونجزءاً من نسيجالمجتمع فقد إنعكسهذا التوجه على الإجراءات الرسميةالمعوقة للبذل التطوعي في بعض بلدان الخليج، والتي سبق تصويرها وتصوير آثارها السلبية على الصالح العام .

****

وبعد، فهل بقى لدى القارئ لبس في تفسير قبول الغرب للتناقض الصارخ بينانتهاكه حرية المسلمسلوكا وعبادة وانتهاك حقه بصفته إنساناوبين ضوضائه المرتفعة الضجيج في التمدح باحترام حرية الإنسانوحقوقه والتعالي على الآخرين الذين يدعي انتهاكهم لحرية الإنسان وحقوقه.

وبصفاقة غريبة لا يبالي الغرب بافتضاح "كذبته الكبرى" في تبريره ذلك التناقض بمنع احتمال تسرب أموال للإرهاب، وهو أول من يعرف أن بذل المسلم الإنساني من خلال القنوات القانونية المكشوفة وسهلة المراقبة والتتبع، أي البنوك، يجعل هذا الاحتمالغير وارد، وقد جاء في شهادة أحد الشهود من رجال الإدارة الأمريكية أمام اللجنة البنكية للكونجرس في تقريره في 25 سبتمبر 2003 ما يعني أن: " المال إكسير الحياة للإرهابي، لكنه في الوقت نفسه السم الزعاف له، إذ يمكن اكتشافه عن طريق تتبع مسيرة المال".

في 4 يناير 2011 نشرت الـCNNفي موقعها العربي عن برقية صادرة من وزيرة الخارجية الأمريكية تضمنت: "قلقها من أن الكويت تتردد في اتخاذ تدابير بحق من يمولون الحركات الارهاببة"

بلا شك كانت الوزيرة تقصد بهذا الاتهام، مثل اتهام أمريكا لجمعية إحياء التراث، الجمعية الخيرية الكويتية، التي كانت أمريكا قبل ذلك قد صنفتها جهة داعمة للارهاب، فقد قامت أمريكا بحملة شرسة لحمل الكويت على تحجيم النشاط الإنساني للجمعية الخيرية المذكورة، ولكن الكويت وقد تأكدت من كذب الاتهام وبعد أن طلبت من أمريكا تقديم ما يثبت الاتهام وفَشَل أمريكا في تقديم أي دليل، وبعد أن اقتنعت الكويت بأن جمعيتها الخيرية تقوم ببذلها التطوعي الإنساني من خلال القنوات القانونية المكشوفة - كما تفعل أي جمعية خيرية في العالم- وقفت الكويت في مواجهة همجية الظلم والعدوان بكل شهامة ورجولة وانتصرت في هذه المعركة لأن معها الحق، والعدل، والمنطق، والقيم الانسانية الحضارية.

ما الذي يدفع الغرب إلى السلوك الهمجي المناقض للأخلاق والقيم الإنسانية؟ ما الذي يحمله على الضغوط على بلدان الخليج لتمنع أبناءها من ممارسة حرية شخصية وحق إنساني في العمل الصالح الخالص النافع، تلك الحرية التي يمارس مثلها أي شخص في العالم، ولا تحجب عن أي مواطن في دولة ديموقراطية أو ديكتاتورية؟ لا شيء إلا مواجهة "غزو" الإسلام للقلوب والعقول. والغرب بغروره واستعلائه يعمى في هذا عن الحقيقة البسيطة أن غزو العقول والقلوب – في عصر الاتصالات التي أسقطت كثيرا من الحواجز- قوة لا تعتمد على أسلحة الدمار الشامل، وإنما على ما هو أقوى "قوة الأفكار العظيمة".

****

العبرة من كل ما سبق، أن يحس كل مواطن مخلص لدينه، وصادق الولاء لوطنه وحكومته بأنه مسئول عن عمل ما يستطيعه للتوعيه بهذه الحقائق تمهيدا للعودة بالوطن الحبيب إلى وضعه الطبيعي رائدا في البذل في سبيل الله، وبأهله لليقين بأن البذل في سبيل الله هو الشكر العملي لنعمه عليهم، مشفقين من زوال هذه النعمة [ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] ، وللأخذ بمعايير الصلاح والإصلاح التي يطمح لتحقيقها كل وطني يتطلع لترتيب متقدم لوطنه في السلّم الحضاري الإنساني.

وبالله التوفيق

http://www.medadcenter.com/Articles/Show.aspx?Id=298


2012-12-11

مكتبة متكاملة للمهتمين في #العمل الخيري _التطوعي 2015-10-30
مشروع العمل التطوعي المميز 2014-02-04
ماهي عوائق التطوع في المملكة؟ 2013-01-03
Tool for Situational Analysis 2012-12-14
(Rapid_Health_en (1 2012-12-14
(Rapid_Health_en (3 2012-12-14
(Rapid_Health_en (2 2012-12-14
Planning tool EESC2010 2012-12-14
الأعمال التطوعية في الإسلام 2012-12-11